وطبيعي أن كتاب التعريف يضم طائفة من خطابات وخطب ابن خلدون نفسه؛ منها خطاب موجه إلى لسان الدين ابن الخطيب جوابا على إحدى رسائله، ومنها خطاب مرفوع إلى سلطان المغرب لإخباره ما جرى له مع تيمورلنك، ومنها خطب الافتتاح التي ألقاها عند جلوسه للتدريس، أولا في المدرسة القمحية ثم المدرسة الظاهرية، وفي الأخير في مدرسة صلغتمش.
وفضلا عن ذلك كله نجد بين صحائف «التعريف» طائفة من أشعار ابن خلدون وقصائده أيضا، يبلغ مجموع أبيات هذه القصائد 380 بيتا.
ولذلك نستطيع أن نقول إن كتاب التعريف يؤلف مجموعة وثائق تاريخية وأدبية تستحق الدرس باهتمام. •••
ومما يلفت النظر في كتاب التعريف أن ابن خلدون يهتم فيه بتسجيل الوقائع وتفصيلها اهتماما كبيرا، ولكنه لا يعنى بتدوين الأفكار ووصف الانفعالات.
فإن العبارات التي تدل على الانفعالات في الكتاب المذكور محدودة وموجزة جدا.
مثلا يذكر ابن خلدون قضية سجنه بهذه العبارة الوجيزة: «قبض علي، وامتحنني، وحبسني.»
ويذكر النكبة التي أصيب بها عند وفاة والديه بقوله: «كان الطاعون الجارف، وذهب بالأعيان والصدور وجميع المشيخة، وهلك أبواي رحمهما الله.»
وأما واقعة غرق السفينة التي كانت تحمل عائلته فإنه يذكرها بهذه العبارات الوجيزة: «وافق ذلك مصاب الأهل والولد، وصلوا من المغرب بالسفين، فأصاب عاصف من الريح فغرقت، وذهب الموجود والسكن والمولود، وعظم المصاب.»
ويذكر هذه الواقعة في محلين آخرين بمناسبتين مختلفتين، ويضيف هناك - إلى ما تقدم - العبارات التالية: «عظم الأسف، وحسن الجزاء، واختلط الفكر.»
وهذا كل ما كتبه عن مصائبه العائلية.
ونستطيع أن نقول إن ابن خلدون كتب ترجمة حياته كأنه يدون وقائع تاريخية، ولم يسجل خلال هذه الترجمة انفعالاته وانطباعاته إلا نادرا وبعبارات مقتضبة جدا.
إنه لا يشذ عن هذه الخطة إلا مرتين، وذلك في القسم الأخير من التعريف، مرة عندما تكلم عن عمله في منصب القضاء، ومرة عندما سرد لقاءه بتيمورلنك.
إنه تكلم عن توليه منصب القضاء في مصر في ست صفحات بأسلوب مشبوب بالانفعال، في حين أنه ما كان خصص لذكر ما عمله خلال توليه منصب الحجابة في تلمسان إلا بضعة أسطر.
إنه ذكر تفاصيل ملاقاته مع تيمورلنك في نحو اثنتي عشرة صحيفة، وذلك بعد معلومات وتفصيلات تاريخية أشغلت صحائف كثيرة، في حين أن ما كان ذكره عن ملاقاته بملوك آخرين لم يزد على سطر أو سطرين.
أمام هذه الظاهرة يجب علينا أن نتساءل: لماذا؟ لماذا هذا التفاوت في كيفية سرد الوقائع ووصف الأحوال؟
إني أعتقد أن عوامل هذا التفاوت متعددة؛ منها تفاوت المدد التي مضت بين تاريخ حدوث الواقعات وبين تاريخ ذكرها في التعريف، ومنها اختلاف شدة تأثر المؤلف من الواقعات المختلفة، ومنها تفاوت حالاته النفسية العامة عند اشتغاله بتدوين الواقعات.
من المؤكد أن ابن خلدون كتب ما كتبه عن وقائع حياته في المغرب بعد مرور مدة طويلة على حدوثها، وأما ما حدث له خلال توليه منصب القضاء وخلال ملاقاته مع تيمورلنك، فإنه كتبها بعد مدة وجيزة من حدوثها، وربما عقب حدوثها عندما كان تأثيرها في نفسه لا يزال حيا وحادا.
وفضلا عن ذلك، إن الخطة التي سار عليها في القيام بمهمة القضاء خلقت له كثيرا من المتاعب، وأثارت عليه حسد البعض ومشاغبة الكثيرين، مع أنه كان وصل عندئذ إلى منتصف العقد السادس من العمر، فكان من الطبيعي أن يتأثر من هذه المتاعب والمشاغبات تأثرا عميقا، كما أنه كان من الطبيعي أن تنعكس انفعالاته هذه على كتاباته عندما أقدم على تدوين هذه الوقائع.
وأما ملاقاته مع تيمورلنك، فكانت وقعت وهو في عتبة السبعين من العمر، ومجردا عن كل الشواغل، فلا شك في أنه كتبها فور وقوعها، ومما يؤيد ذلك أن أبحاث «التعريف» التي تلي أخبار تيمور لم تشغل إلا صحيفة واحدة. •••