تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن أهم وأثمن هذه الأبحاث هي التي تتعلق بتاريخ البلاد المغربية؛ لأن المعلومات المدونة في كتاب العبر عن هذا القسم من التاريخ طريفة وأصيلة، ابن خلدون لم ينقلها من الكتب، بل جمعها بنفسه خلال اتصاله بمختلف القبائل، وتنقله بين مختلف الدول المغربية، ولذلك يعتبر المجلدان الأخيران من كتاب العبر المصدر الأصلي لدراسة تاريخ البلاد المذكورة خلال العصور التي مضت بين الفتح الإسلامي وبين الأزمنة الأخيرة. ويقول المؤرخون والمستشرقون الذين تعمقوا في دراسة تاريخ المغرب: «لولا كتاب العبر لما استطعنا أن نعرف شيئا عن تاريخ البلاد والشعوب المغربية خلال العصور المذكورة.»

ولذلك نجد أن هذا القسم من تاريخ ابن خلدون هو القسم الوحيد الذي ترجم إلى لغة أوروبية ترجمة كاملة، فإن ترجمة هذا القسم من التاريخ إلى اللغة الفرنسية نشرت في الجزائر في مجلدين سنتي 1852 و1856، كما أنها طبعت من جديد في باريس في سنتي 1925 و1927.

وأما القسم المتعلق بتاريخ المشرق، فهو يتألف من معلومات اقتبسها وجمعها ابن خلدون من كتب معلومة، ولا يختلف عن تلك الكتب إلا في كيفية التبويب والتلخيص والعرض.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أن المؤلف نفسه عندما أقدم على تأليف كتابه حصر قصده بتاريخ المغرب وحده؛ لعدم «اطلاعه على أحوال المشرق وأممه»، إنه أعلن قصده هذا بصراحة تامة في مقدمة المقدمة، حيث قال ما نصه: «أنا ذاكر في كتابي هذا ما أمكنني به في هذا القطر المغربي، لاختصاص قصدي في التأليف المغرب وأحوال أجياله وأممه وذكر ممالكه ودوله دون ما سواه من الأقطار؛ لعدم اطلاعي على أحوال المشرق وأممه، وإن الأخبار المتناقلة لا تفي كنه ما أريده منه» (ص33).

وأما كتاب العبر الذي بين أيدينا الآن، فهو يتضمن عن أحوال المشرق وتاريخه أكثر من ضعف ما يتضمنه عن أحوال المغرب وتاريخه، وذلك يدل دلالة قاطعة على أن ابن خلدون قد أضاف الأبحاث المذكورة إلى كتابه بعد انتقاله إلى مصر، مخالفا بذلك قصده الأصلي وخطته الأولى.

ولا شك في أن ذلك إنما تم عن طريق الجمع والاقتباس من الكتب المختلفة، ولهذا السبب لا نجد في هذا القسم من كتاب العبر شيئا من القيمة والأصالة التي نجدهما في أقسامه الأخرى.

3

وأما «التعريف بابن خلدون» الذي ينتهي به «كتاب العبر» في طبعة بولاق فإنه يدون ترجمة حياة المؤلف حتى سنة 1395 / 797، وهي السنة التي أرسل خلالها نسخة كاملة من التاريخ إلى سلطان المغرب الأقصى.

ولكن ابن خلدون واصل تدوين ترجمة حياته بعد ذلك أيضا حتى سنة 1405 / 807، ومن المعلوم أن السنة المذكورة تسبق تاريخ وفاته عاما واحدا فقط.

ويظهر أن ابن خلدون عند مواصلة تدوين هذه الترجمة - فصلها - نوعا ما - من كتاب العبر وغير عنوانها، وجعلها «التعريف بابن خلدون مؤلف الكتاب، ورحلته غربا وشرقا.»

إن «التعريف» بمؤلف المقدمة بعد هذه الإضافات الأخيرة كان بقي حتى السنة الماضية مخطوطا، تحتفظ ببضع نسخ منه بعض المكتبات، ولكن خلال سنة 1951 طبع على نفقة لجنة النشر والترجمة والتأليف في القاهرة بعد التحقيقات التي قام بها، مع الحواشي التي كتبها السيد محمد بن تاويت الطنجي، وأصبح بذلك «التعريف» تحت متناول أيدي القراء والباحثين مثل «المقدمة».

ويتبين مما تقدم أن «كتاب» التعريف بابن خلدون يجب أن يعتبر مؤلفا من قسمين حسب تاريخ كتابة وقائعه؛ القسم الأول يتألف مما كان كتب قبل سنة 1395 / 797، ويشغل 278 صفحة، والقسم الثاني يتألف مما كتب بعد التاريخ المذكور، ويشغل 106 صفحات.

وكان القسم الأول ينتهي بالعبارات التالية بعد عبارة: «لهذا العهد الفاتح سبع وتسعين»: «وقد نجز الغرض مما أردت إيراده في هذا الكتاب، والله الموفق لرحمته بالصواب ، والهادي إلى حسن المآب، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله والأصحاب، والحمد لله رب العالمين» (كتاب العبر، بولاق ج7، ص462).

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٤٢