ويقع في آخر الشارع المذكور «كتاب» صغير تحت قبة جميلة، يسمى «مسيد القبة».
1
ويروى أن ابن خلدون كان درس في هذا الكتاب.
وأما قلعة ابن سلامة التي كتب فيها ابن خلدون مقدمته المشهورة، فموقعها معلوم لدى الجميع؛ إنها تقع على بعد خمس كيلومترات من مدينة «فرندا» الحالية التابعة إلى مقاطعة وهران في الجزائر، وأطلال القلعة شاخصة إلى الأبصار هناك.
| آثار ابن خلدون
1
لقد كتب لسان الدين ابن الخطيب ترجمة حياة ابن خلدون الذي كان تعارف وتصادق معه، أولا في المغرب الأقصى ثم في الأندلس، وذكر في هذه الترجمة مؤلفات صديقه؛ رسالة في المنطق، وأخرى في الحساب، تلخيص لبعض ما كتبه ابن رشد، شرح لقصيدة البردة، تلخيص كتاب فخر الرازي، شرح لرجز في أصول الفقه.
من المعلوم أن هذا الأديب الكبير كان قتل خنقا قبل انتقال ابن خلدون إلى قلعة ابن سلامة؛ ولذلك لم يرد ذكر لكتاب العبر ومقدمته بين هذه المؤلفات بطبيعة الحال.
ولكن من الغريب أن جميع هذه المؤلفات التي ذكرها لسان الدين ابن الخطيب ليست معلومة الآن، والأغرب من ذلك أن ابن خلدون نفسه لم يذكرها في ترجمة حياته.
إن ما هو معروف عن العلاقات التي كانت توثقت بين لسان الدين ابن الخطيب وبين ابن خلدون لا يترك مجالا للشك في صحة ما كتبه الأول عن مؤلفات الثاني.
وأما عدم ذكر ابن خلدون لهذه المؤلفات في ترجمة الحياة التي كتبها بنفسه، فلا يمكن أن يفسر إلا بأنها كانت تافهة في نظره، ويغلب على الظن - والحالة هذه - بأنها كانت بمثابة كراسات الدرس أو التدريس العارية من الآراء المبتكرة؛ ولذلك لم يتباه بها ابن خلدون، فلم يذكرها في ترجمة حاله.
وأما الكتاب الوحيد الذي وصل إلينا من مؤلفات ابن خلدون، فهو كتاب التاريخ الذي كان أسماه باسم طويل: «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر.»
إن كتاب العبر هذا مرتب على مقدمة وثلاثة كتب حسب تعبير المؤلف نفسه: «المقدمة: في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والإلماع بمغالط المؤرخين.»
الكتاب الأول: في العمران، وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان والكسب والمعاش والصنائع والعلوم، وما لذلك من العلل والأسباب.
الكتاب الثاني: في أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ بدء الخليقة إلى هذا العهد، وفيه الإلماع ببعض من عاصرهم من الأمم المشاهير ودولهم؛ مثل النبط، والسريانيين، والفرس، وبني إسرائيل، والقبط، واليونان، والروم، والترك، والإفرنجة.
الكتاب الثالث: في أخبار البربر، ومن إليهم من زناتة، وذكر أوليتهم وأجيالهم، وما كان لهم بديار المغرب خاصة من الملك والدول (ص6).
إن الكتاب الذي يعرف الآن باسم «مقدمة ابن خلدون» هو في حقيقة الأمر «المقدمة والكتاب الأول» من كتاب العبر.
يقع هذا الكتاب في سبع مجلدات؛ الأول منها يتضمن ما عرف باسم «المقدمة»، الثاني والثالث والرابع والخامس منها يؤلف ما سماه ابن خلدون باسم «الكتاب الثاني»؛ ويتضمن - من حيث الأساس - تاريخ العرب، وتاريخ الإسلام، وتاريخ المشرق.
وأما السادس والسابع منها، فيؤلفان ما سماه ابن خلدون باسم «الكتاب الثالث»، فيتضمن أخبار البربر وتاريخ المغرب.
وينتهي المجلد السابع ب «التعريف بابن خلدون مؤلف هذا الكتاب».
إن لكتاب العبر طبعة كاملة واحدة، هي طبعة بولاق القديمة، ولكن لمقدمته طبعات عديدة، وللتعريف الذي ينتهي به الكتاب طبعة مستقلة جديدة.
لما كانت المقدمة موضوع بحث هذه الدراسات، لا نرى لزوما لذكر شيء عنها هنا، ولذلك سنحصر الكلام الآن على سائر أقسام كتاب العبر، وعلى التعريف الذي يختمه.
2
إن قيمة الأبحاث والأخبار التاريخية المدونة في كتاب العبر تختلف اختلافا كبيرا حسب أقسامها المختلفة.