وهذا السفر الأخير كان مترافقا بأحداث كثيرة، رواها ابن خلدون بتفصيلات وافية:
عندما استولى تيمورلنك على حلب، «وقع فيها من العبث والنهب والمصادرة واستباحة الحرم ما لم يعهد الناس مثله»، وعندما وصل خبر ذلك إلى مصر؛ تجهز السلطان فرج ابن الملك الظاهر إلى المدافعة عن الشام، وخرج مع عساكره، كما استصحب معه الخليفة والقضاة الثلاثة، واستدعى ابن خلدون أيضا لمرافقته، مع أنه كان معزولا من منصب القضاء.
وصل سلطان مصر إلى دمشق عندما كان تيمور رحل من بعلبك قاصدا إلى المدينة المذكورة، فاتخذ السلطان وسائل الدفاع، وقوى أسوار المدينة قبل وصول تيمور إليها، وعندما وصل تيمور ظلت قوات الطرفين تراقب بعضها البعض وتحارب حول المدينة مدة شهر.
ولكن بعد ذلك «نمى إلى السلطان وأكابر أمرائه أن بعض الأمراء المنغمسين في الفتنة يحاولون الهرب إلى مصر للثورة بها، فأجمع رأيهم للرجوع إلى مصر؛ خشية من انتقاض الناس وراءهم واختلال الدولة بذلك»، وعملوا بهذا الرأي، وتحولوا عن دمشق إلى مصر.
وأصبح عندئذ أهل دمشق متحيرين في الأمر، اجتمع القضاة والفقهاء بالمدرسة العادلية وابن خلدون معهم، واتفق رأيهم في طلب الأمان من الأمير تيمور على بيوتهم وحرمهم، وشاوروا في ذلك نائب القلعة، فأبى عليهم ذلك ونكره، فلم يوافقوه؛ فخرجوا إلى تيمور متدلين من السور، وبعد أن أخذوا منه الأمان «اتفقوا معه على فتح المدينة من الغد، وتصرف الناس في المعاملات، ودخول أمير ينزل بمحل الإمارة منها، ويملك أمرهم بعز ولايته.»
ولكن اختلاف رأي محافظ القلعة مع آراء القضاة والفقهاء أدى إلى ارتباك الأمور وتعقدها، وخلال هذه الارتباكات ذهب ابن خلدون بمفرده إلى تيمور متدليا من السور، ولاقاه وتحدث إليه حديثا طويلا.
ابن خلدون رجع إلى مصر بعد هذه الوقائع، وهذه كانت آخر أعماله ومغامراته.
إنه دون تفاصيل ملاقاته مع تيمور في ترجمة حياته، ثم واصل كتابة الترجمة حتى سنة 1405 / 807، ومات بعد ذلك في القاهرة سنة 1406 / 808.
ويذكر الكتاب المعاصرون له أنه دفن في مقبرة الصوفية. (11) الخلاصة
يظهر من التفاصيل التي استعرضناها آنفا أن حياة ابن خلدون العلمية والفكرية - بعد عهد الدراسة، ومن تاريخ دخوله الحياة العامة - ينقسم إلى ثلاثة أدوار أساسية:
الدور الأول:
كان دور العمل السياسي في بلاد المغرب، استمر مدة تزيد على عقدين من السنين (1352-1374).
الدور الثاني:
كان دور الانزواء والتأمل والتأليف في قلعة ابن سلامة عند أولاد بني عريف، استمر أربع سنوات فقط (1374-1378).
الدور الثالث:
كان دور الانصراف إلى التدريس والقضاء مع مراجعة التأليف، واستمر ثمانية وعشرين عاما (1378-1406).
إن دور الانزواء الذي أشرنا إليه آنفا كان قصيرا جدا بالنسبة إلى الدورين الآخرين، غير أنه كان نقطة تحول هامة جدا في حياة ابن خلدون؛ فإنه كان قبل هذا الانزواء مجروفا بتيارات السياسة وتقلباتها، وكان يعيش عيشة السياسي المغامر، ولكنه بعد الانزواء في قلعة ابن سلامة لم يعد إلى حياة السياسة، بل انقطع للتفكير والتأليف، مع الاشتغال بالقضاء والتدريس.
إنه كان قبل الانزواء في القلعة المذكورة رجل سياسة وعمل قبل كل شيء، ولكنه بعد هذا الانزواء أصبح رجل علم وتفكير بكل معنى الكلمة. (12) ابن خلدون في الذاكرة الشعبية
ماذا بقي من حياة ابن خلدون وأعماله في الذاكرة الشعبية؟
نستطيع أن نقول إن الذاكرة الشعبية في مصر لم تحفظ عن ذلك شيئا، وقبر ابن خلدون في القاهرة غير معروف إلى الآن.
وأما الذاكرة الشعبية في تونس فإنها لم تهمله أبدا، هناك يعرفه الناس ويعرفون الدار التي ولد وترعرع فيها ابن خلدون، دار تقع في أحد الشوارع المهمة من المدينة القديمة، هو شارع تربة الباي، تشغلها منذ عدة سنوات مدرسة الإدارة العليا، وقد وضع على جانب بابها لوحة رخامية تذكيرا لمولد المفكر الكبير هناك.