وخلال ذلك قامت جماعة أخرى أخرجت الأمير المريني أحمد من السجن في طنجة وبايعته بالسلطنة، وأصبح الوزير ابن غازي بهذه الصورة أمام ثورة أميرين وجماعتين.
ثم التقى الأميران المذكوران وتعاهدا على التعاون والتناصر حتى النهاية، واتفقا على أن يقتسما البلاد بينهما بعدما يتغلبان على الوزير وجماعته، وقررا أن تكون السلطنة والعاصمة إلى أحمد، على أن يصبح قسم من البلاد ملكا لعبد الرحمن.
إن هذا الاتفاق سهل - بطبيعة الحال - انتصار الثوار، فاضطر الوزير ابن غازي إلى الاستسلام بعد أن بقي محاصرا مدة ثلاثة أشهر.
وبهذه الصورة انتهى حكم الوزير، وصار السلطان أبو العباس أحمد ملكا على المغرب.
ولكن الأمير والسلطان بعدما انتهيا من محاربة عدوهم المشترك، أخذا يختلفان فيما بينهما في تفسير وتحديد ما كانوا اتفقوا عليه.
وهكذا توالت الفتن والقلاقل في المغرب الأقصى بدون انقطاع.
وأما ابن خلدون فكان قد كره الفتن والانقلابات، وأخذ ينشد «الدعة والقرار»، وعندما تأكد أنه لا سبيل إلى الحصول على ذلك في بلاد المغرب بسبب توالي الاضطرابات؛ قرر أن يرحل مرة أخرى إلى الأندلس، آملا أن يجد هنالك وسائل الدعة والاستقرار.
ولكنه صادف في هذا السبيل كثيرا من المشاكل والعقبات، لم يستطع التغلب عليها إلا بعد جهد جهيد.
وعندما وصل إلى الأندلس التقى بالسلطان في غرناطة، ووجد منه في بادئ الأمر ترحيبا حارا.
إلا أن هذه الحالة أيضا لم تدم طويلا؛ لأن حكام المغرب لم يرتاحوا إلى سفر ابن خلدون إلى الأندلس، خشية أن يعمل هناك ما يفصم أواصر الصداقة التي كانت توثقت بينهم وبين بني الأحمر خلال أزمة السلطنة الأخيرة، وطلبوا من السلطان المشار إليه إعادة ابن خلدون إلى المغرب، وأما السلطان فقد امتنع عن تلبية هذا الطلب في بادئ الأمر، ولكن رجال سلطان المغرب وجدوا وسيلة ناجعة لإقناعه؛ ذكروا له روابط الصداقة التي كانت تربط ابن خلدون بلسان الدين ابن الخطيب منذ سنوات طويلة، وقالوا له إن تلك الصداقة جعلته داعية للسان الدين المغضوب عليه؛ ولذلك قرر السلطان إقصاء ابن خلدون إلى المغرب الأوسط.
وبناء على هذا القرار انتقل ابن خلدون بحرا إلى مرسى هنين، وكان هذا المرسى تابعا إلى تلمسان، وكان سلطان تلمسان عند ذاك أبا حمو.
إن سوابق ابن خلدون مع هذا السلطان كانت تضعه في موقف حرج وخطر جدا، ولكن أبا حمو كان ينوي فتح بجاية، وصار يفكر بالاستفادة من ابن خلدون في هذا الأمر؛ ولذلك تناسى الماضي، وترك ابن خلدون وشأنه مدة من الزمن، ثم استدعاه وطلب منه أن يسافر إلى «أوطان الدواودة» لاستئلاف تلك القبائل وحملها على خدمته.
ابن خلدون لم يرتح لهذا الطلب؛ لأنه كان قرر الخروج من الحياة السياسية بصورة نهائية، والتفرغ إلى الدرس والعلم تفرغا كليا، غير أنه لم ير من الموافق أن يطلع السلطان على ما كان ينتويه في قرارة نفسه؛ فتظاهر بتلبية الطلب، وخرج من تلمسان بحجة الاتصال بالعشائر واستمالتهم إلى خدمة مآرب السلطان، وعندما وصل إلى البطحاء «عدل ذات اليمين إلى منداس»، ولحق بأولاد عريف.
وهؤلاء تلقوه «بالتحفي والكرامة»، وتوسطوا في إبلاغ اعتذاره إلى السلطان، وفي نقل عائلته من تلمسان، وقاموا بهذه الوساطة خير قيام، ثم أنزلوه وعائلته في قلعة ابن سلامة. (8) في قلعة ابن سلامة (1374-1378)
إن انتقال ابن خلدون لهذه القلعة صار بمثابة نهاية النهاية لحياته السياسية.
كانت القلعة شيدت في موقع استراتيجي هام على حافة طنف مرتفع، يطل من عل على السهول المجاورة التي تمتد إلى الآفاق البعيدة، وكانت موئلا لشيوخ أولاد عريف، منعزلة عن المدن انعزالا تاما.
وكان ابن خلدون عند وصوله القلعة المذكورة بلغ الثانية والأربعين من العمر، وكان قد عاش حياة سياسية طويلة زاخرة بالأحداث والانقلابات المعقدة، وخلال هذه الحياة السياسية لم ينقطع عن الدرس والعلم، ولكنه كان يشعر بأن السياسة تشغله عن العلم، وصار يتمنى أن ينصرف عنها انصرافا كليا ليتفرغ إلى العلم تفرغا تاما. إن هذه القلعة المنعزلة مع القصر القائم فيها كانت أحسن مكان لتحقيق أمنيته هذه؛ ولذلك أقام فيها أربعة أعوام، تفرغ خلالها إلى التأمل والتأليف بكل نشاط، وشرع في تأليف التاريخ، وكتابة المقدمة خلال انزوائه عن الناس في هذه القلعة النائية.