إن هذه الخصومات والفتن استمرت سنوات عديدة، لعب ابن خلدون خلالها دورا فعالا بالطريقة التي شرحناها آنفا.
إنه شايع في بادئ الأمر سلطان تلمسان «أبو حمو»، وساعده أولا؛ باستتباع القبائل وتوجيهها لمناصرته، وثانيا؛ بضمان اتصال تلمسان بتونس عن طريق الصحراء، مارا ببيسكرة.
ولكن بعد ذلك عندما استولى سلطان المغرب عبد العزيز على تلمسان خابر ابن خلدون وطلب مساعدته على توطيد حكمه في المغرب الأوسط، وابن خلدون لبى هذا الطلب، وانصرف من مشايعة «أبو حمو» إلى مشايعة عبد العزيز، وخدمه بذلك خدمة ثمينة.
ولعب ابن خلدون هذه الأدوار السياسية خلال هذه السنوات العديدة بفضل المهارة التي اكتسبها في أمر إقناع القبائل واستمالتها، وبفضل الزعامة المعنوية التي حصل عليها بين سكان البوادي بوجه عام.
إلا أن تعاظم نفوذ ابن خلدون على العشائر بهذه الصورة أخذ يثير - بعد مدة - هواجس صاحب بيسكرة، الذي كان الزعيم الرسمي لمنطقة الزاب؛ إنه صار يخاف من زوال نفوذه على القبائل بتاتا؛ ولهذا السبب أخذ يعمل لتبعيد ابن خلدون من بيسكرة، ووسط البعض من أصحابه لحمل سلطان المغرب على استدعاء ابن خلدون إلى فاس.
واضطر لذلك ابن خلدون أن يغادر بيسكرة - مع عائلته - إلى فاس. (7) احتضار الحياة السياسية (1372-1374)
ولكن ابن خلدون بعدما غادر بيسكرة قضى مدة سنتين مليئتين بالتقلبات المتوالية والاضطرابات المتزايدة.
إن هذه المدة كانت بمثابة «دور الاحتضار» لحياته السياسية الصاخبة، ونستطيع أن نقول إن الحياة السياسية التي عاشها ابن خلدون منذ دخوله الحياة العامة أخذت تلفظ أنفاسها الأخيرة خلال هاتين السنتين؛ لأننا سنجده بعد ذلك قد فارق الحياة السياسية بصورة نهائية.
لقد بدأت الأهوال والاضطرابات تنهال على ابن خلدون وهو في الطريق قبل أن يصل فاس؛ فإنه عندما وصل مليانة علم أن السلطان عبد العزيز قد مات، وأن ابنه «السعيد» نصب بعده للأمر، في كفالة الوزير ابن غازي.
وطبيعي أن السلطان «أبو حمو» لم يترك هذه الفرصة تفلت من بين يديه؛ استفاد من انشغال رجال المغرب بمعالجة الموقف الناجم عن موت السلطان عبد العزيز، و«رجع من مكان انتباذه إلى تلمسان، واستولى عليها وعلى سائر أعماله.»
ولما كان أبو حمو غاضبا على ابن خلدون - بسبب انقلابه عليه ومشايعته لسلطان المغرب خلال الوقائع الأخيرة - أراد الانتقام منه؛ فأوعز إلى بعض القبائل الموالية إليه «أن يعترضوه في حدود بلادهم».
ويصف لنا ابن خلدون نفسه ما حدث عندئذ بما يلي: «اعترضونا هنالك فنجا منا من نجا على خيولهم إلى جبل دبدو، وانتهبوا جميع ما كان معنا، وأرجلوا الكثير من الفرسان وأنا منهم، وبقيت يومين ضاحيا عاريا إلى أن خلصت إلى العمران، ولحقت بأصحابي بجبل دبدو.»
وعندما وصل فاس بعد هذه المحنة، لقي من الوزير ابن غازي القائم بالأمر ترحيبا حارا؛ بسبب معرفته السابقة به، إلا أن الأوضاع السياسية أخذت تتطور بسرعة، وقضت على حكم هذا الوزير؛ وذلك بسبب تحريكات سلطان غرناطة من جهة، وتعدد المطالبين بعرش المغرب من جهة أخرى.
كان السلطان ابن الأحمر غاضبا على السلطان عبد العزيز وعلى الوزير ابن غازي الذي استبد بالحكم بعده، وكان الدافع إلى هذا الغضب التجاء لسان الدين ابن الخطيب إلى المغرب، وامتناع السلطان أولا والوزير ثانيا من إعادته إلى الأندلس، على الرغم من طلب ابن الأحمر وإلحاحه.
ولذلك أطلق ابن الأحمر سراح الأمير عبد الرحمن المريني، وأجازه إلى المغرب؛ ليطالب بالملك، ويقضي بذلك على حكم الوزير ابن غازي.
وأخذ هذا الأمير عقب دخوله بلاد المغرب يدعو لنفسه، ويجمع حوله جماعات كبيرة من الأنصار؛ محتجا على نصب الصبي القاصر على عرش السلطنة.
والوزير ابن غازي عندما استخبر ذلك، أخذ يجهز العساكر ويجمع الجموع لمقابلة الأمير الثائر، ونشبت من جراء ذلك اصطدامات وحروب عديدة بين جموع الوزير الكافل، وبين الأمير المطالب بالعرش.