تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويصف ابن خلدون ما عمله هناك في ترجمة حياته بهذه العبارات الوجيزة: «أقمت بها متخليا عن الشواغل كلها، وشرعت في تأليف هذا الكتاب وأنا مقيم بها، وأكملت المقدمة منه على ذلك النحو الغريب الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة.»

وبعد إتمام المقدمة أقدم على كتابة «أخبار العرب والبربر وزناتة»، وكان يكتب كل ما يكتبه عن حفظه بطبيعة الحال، غير أنه عندما تقدم في تدوين الأخبار، أدرك عدم إمكان العمل هناك، وضرورة مراجعة بعض الكتب والمصادر التي لا توجد إلا في المدن.

إنه لم يشأ أن يعود إلى مدينة من مدن المغرب الأوسط والأقصى التي كانت مرسحا لحياته السياسية؛ فقرر الارتحال إلى تونس، وكتب إلى سلطانها يستأذنه في ذلك.

يصف ابن خلدون قراره هذا وما نجم عن هذا القرار بالعبارات التالية: «حدث عندي ميل إلى مراجعة السلطان أبي العباس والرحلة إلى تونس، حيث قرار آبائي ومساكنهم وآثارهم وقبورهم، فبادرت إلى خطاب السلطان بالفيئة إلى طاعته والمراجعة، وانتظرت فما كان غير بعيد، إذا بخطابه وعهوده بالأمان والاستحثاث للقدوم، فكان الخفوق للرحلة.»

بهذه الصورة غادر ابن خلدون قلعة ابن سلامة بعد الانزواء فيها مدة أربعة أعوام. (9) في تونس (1378-1382)

عاد ابن خلدون إلى تونس بعد أن تغرب عنها مدة ستة وعشرين عاما.

وكانت شهرته وصلت إلى تونس قبله بكثير بطبيعة الحال؛ ولذلك وجد هناك ترحيبا حارا من السلطان ومن الناس على حد سواء.

ويصف لنا في ترجمة حياته ترحيب السلطان له بهذه العبارات: «وافيته بظاهر سوسة، فحيا وفادتي، وبر مقدمي، وبالغ في تأنيسي، وشاورني في مهمات أموره، ثم ردني إلى تونس، وأوعز إلى تابعه بها مولاه فارح بتهيئة المنزل، والكفاية في الجراية والعلوفة وجزيل الإحسان، فرجعت إلى تونس في شعبان من السنة، وآويت إلى ظل ظليل من عناية السلطان وحرمته، وبعثت عن الأهل والولد، وجمعت شملهم في مرعى تلك النعمة، وألقيت عصا التسيار.»

يفهم من هذه العبارات أن السلطان وفر له وسائل العيشة الهنيئة، فأخذ يشتغل ابن خلدون بتدريس العلوم من ناحية، وبمراجعة المصادر لإتمام تاريخه من ناحية أخرى.

وأثارت دروسه إعجاب طلاب العلم من جهة، وحسد الشيوخ القدماء من جهة أخرى، واشتد حسد هؤلاء عليه بوجه خاص من جراء ازدياد تقربه إلى السلطان.

ويظهر أن السلطان كان مولعا بالتاريخ؛ ولذلك اهتم بمشروع ابن خلدون، فشجعه على مواصلة البحث والتأليف لإتمام كتابه الخطير.

وانتهى ابن خلدون من تأليفه وهو في تونس، وقدم نسخة منه إلى السلطان. ويقول لنا هو في هذا الصدد ما يلي: «أكملت منه أخبار البربر وزناتة، وكتبت من أخبار الدولتين وما قبل الإسلام ما وصل إلي منها، وأكملت منه نسخة رفعتها إلى خزانته.»

ويوم تقديم هذه النسخة إلى السلطان أنشد بين يديه قصيدة امتدحه فيها، وأشار إلى الكتاب الذي قدمه إليه.

والقصيدة طويلة نقل لنا منها في ترجمة حياته مائة بيت وبيت، ثمانية منها تتعلق بالكتاب، ونحن ندرج فيما يلي هذه الأبيات فقط لتعلقها بموضوع دراساتنا هذه:

وإليك من سير الزمان وأهله

عبرا يدين بفضلها من يعدل

صحفا تترجم عن أحاديث الألى

غبروا، فتجمل عنهم وتفصل

تبدي التبابع والعمالق سرها

وثمود قبلهم، وعاد الأول

والقائمون بملة الإسلام من

مضر وبربرهم، إذا ما حصلوا

لخصت كتب الأولين لجمعها

وأتيت أولها بما قد أغفلوا

وألنت حوشي الكلام كأنما

شرد اللغات بها لنطقي ذلل

أهديت منه إلى علاك جواهرا

مكنونة، وكواكبا لا تأفل

وجعلته لصوان ملكك مفخرا

يبأى الندي به ويزهو المحفل (القصيدة في كتاب التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا، ص233-244.)

بهذه الصورة انتهى ابن خلدون من عمله العظيم، وهو في تونس.

ولكنه لم ينته من مجابهة مشاكل الحياة؛ لأن حساده كانوا لا ينقطعون عن الوشاية به عند السلطان بمناسبات مختلفة وأساليب متنوعة، والسلطان مع ذلك كان لا يزال يدنيه، حتى إنه أخذ يستصحبه في سفراته.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٣٨