إن العالم الأوروبي خلال العصر الذي عمل وفكر فيه ابن خلدون كان على وشك الوصول إلى أواخر القرون الوسطى وأوائل القرون الأخيرة.
كان ابن خلدون معاصرا للمؤرخ «فرواسار» في فرنسا، وللشاعر «شوسر» في إنجلترا، إنه كان ولد قبل الأول بخمس سنوات، وقبل الثاني بثماني سنوات، ومات قبل الأول بأربع سنوات، وبعد الثاني بست سنوات.
كما أنه كان «نصف معاصر» لبترارك وبوكاتسيو في إيطاليا؛ لأنه كان وصل إلى أواسط العقد الخامس من عمره عند موت هذين الأديبين الكبيرين.
ولكن ابن خلدون لم يعرف شيئا عن هؤلاء المعاصرين، كما أن هؤلاء أيضا لم يسمعوا عنه شيئا.
لأن العالم الأوروبي في ذلك الزمن كان قد قطع صلاته من العالم العربي الإسلامي قطعا يكاد يكون كليا، بعدما اصطدم به اصطداما عنيفا ودمويا خلال الحروب الصليبية الطويلة، وبعدما اقتبس منه ما اقتبس من العلوم والصناعات المختلفة.
كان قد تم قبل عصر ابن خلدون إنشاء جامعات عديدة في مختلف العواصم الأوروبية على غرار الجامعات العربية، كما أنه كان تم ترجمة عدد كبير من المؤلفات العربية إلى اللغة اللاتينية، فكان أن أصبح الأوروبيون في غنى عن المصادر العربية.
ولتقدير هذه الأوضاع حق قدرها يجب أن نلاحظ أن المدة التي مضت بين موت «دانته» الشهير في إيطاليا، وبين ولادة ابن خلدون في تونس؛ كانت عبارة عن إحدى عشرة سنة، كما أن المدة التي مضت بين موت ابن خلدون في مصر وبين اختراع الطباعة في أوروبا كانت نحو ربع قرن فقط.
في ذلك التاريخ كان فجر عصر الانبعاث أخذ يبث أشعته الأولى في الآفاق، وصار يوجه الأنظار والأفكار إلى أشياء جديدة ونواحي جديدة .
وخلاصة القول: في ذلك التاريخ كان الأوروبيون انقطعوا عن الاهتمام بما يحدث في العالم العربي، ولا سيما بما يؤلف فيه.
إن هذا الوضع التاريخي لعب دورا هاما في تقرير مقدرات مقدمة ابن خلدون بالنسبة إلى العالم الغربي، إن هذه المقدمة وما تضمنته من آراء طريفة وتوجيهات قويمة بقيت مجهولة للأوروبيين حتى بدء عهد الدراسات الاستشراقية في القرن التاسع عشر، بسبب الوضع التاريخي الذي وصفناه آنفا.
| حياة ابن خلدون
إن حياة ابن خلدون كانت من النوع الذي أسماه تيودور روزفلت «الحياة الصاخبة»
La vie intense ، أو من النوع الذي كان يعبر عنه موسوليني ب «الحياة المستخطرة»
Vivre dangereusement .
وكان لهذه الحياة الصاخبة المستخطرة صفحات متنوعة، ومسارح مختلفة، نستعرضها فيما يلي، حسب ترتيبها الزمني: (1) في تونس (1332-1352)
ولد ابن خلدون في تونس في أول رمضان سنة 732 (المصادف 27 أيار 1332)، ونشأ وترعرع هناك إلى أن بلغ العشرين من العمر. (1)
ولما كان والده من رجال العلم والأدب اعتنى بتربيته عناية فائقة، تولى بنفسه تعليمه بعض العلوم، وهيأ له السبل لدرس سائر العلوم على يد أقدر الأساتذة الموجودين في تونس إذ ذاك.
ونشأ ابن خلدون حريصا على الدروس وشغوفا بالعلم، وساعيا وراء الاستزادة منه على الدوام.
قرأ القرآن الكريم واستظهره، وتمرن على تلاوته على القراءات العشر، درس النحو دراسة تفصيلية، قرأ كثيرا من كتب الأدب ودواوين الشعر، وحفظ كثيرا من الأشعار، كما أنه درس الفقه والحديث دراسة مفصلة، وفي الأخير حصل العلوم العقلية أيضا.
والوقائع السياسية التي حدثت سنة 1347 / 748 فتحت أمام ابن خلدون آفاقا جديدة وواسعة للدرس والتعلم؛ لأن السلطان «أبو الحسن المريني» - الذي استولى على تونس في السنة المذكورة - كان يهتم بالعلم ويجمع حوله أكابر العلم والأدب «يلزمهم شهود مجلسه، ويتجمل بمكانهم فيه»، وعندما جاء إلى تونس استصحب معه طائفة من هؤلاء العلماء والأدباء، ومن الطبيعي أن والد ابن خلدون اتصل بهم لمكانته العلمية والأدبية، وحمل أولاده على الاستفادة منهم إلى أقصى حدود الاستفادة.