تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ابن خلدون يذكر - في ترجمة حاله - أسماء العلماء والأدباء الذين وفدوا على تونس مع السلطان؛ يدون تراجم أحوالهم، ويشيد بغزارة علمهم، ويعترف بفضلهم عليه. ونفهم مما كتبه عنهم أنه تأثر من اثنين منهم بوجه خاص تأثرا شديدا؛ أحدهم عبد المهيمن، وثانيهم محمد بن إبراهيم الآبلي.

كان عبد المهيمن «إمام المحدثين والنحاة بالمغرب»، وكان كاتب السلطان وصاحب علامته، وكان حضرمي الأصل مثل أبناء خلدون؛ ولذلك توطدت بينه وبينهم صلاة وثيقة من الود والصداقة، حتى إنه عندما ثار أهل تونس على السلطان وعلى جماعته التجأ - المشار إليه - إلى دار بني خلدون، واختفى عندهم مدة ثلاثة أشهر. ابن خلدون «لازم» هذا العالم وأخذ عنه «سماعا وإجازة؛ الأمهات الست، وكتاب الموطأ لابن مالك، وكتاب السيرة لابن إسحاق، وكتاب ابن الصلاح في الحديث.»

وأما الآبلي فكان «شيخ العلوم العقلية»، لازمه ابن خلدون عدة سنوات، أخذ منه خلال ذلك هذه العلوم؛ افتتحها بالتعاليم - أي العلوم الرياضية - ثم المنطق، ثم سائر الفنون الحكمية.

يشيد ابن خلدون بغزارة علم الآبلي وبفضله عليه أكثر من غيره، ويقول في الوقت نفسه: «إنه كان يشهد له بالتبريز في هذه العلوم.»

ولا شك في أن ذلك يدل على أن ابن خلدون كان نزوعا إلى التفكير المنطقي، كما يدل على أن العلوم العقلية التي درسها على يد الآبلي ساعدت كثيرا على تقوية هذه النزعة الفكرية وتنميتها.

إن آثار هذه النزعة تتجلى في كثير من مباحث المقدمة بوضوح تام. (2)

غير أن ابن خلدون عندما بلغ السابعة عشر من العمر تعرض إلى نكبة شديدة؛ كان الطاعون الكبير أخذ يفتك بالناس في تونس، ومات من جراء هذا الطاعون الجارف أبواه ومعظم مشايخه.

ثم قامت الثورة على السلطان المريني، انتهت بانحسار حكمهم عن إفريقية، ونتج عن ذلك عودة من كان بقي على قيد الحياة من العلماء والأدباء الوافدين من المغرب.

تألم ابن خلدون من هذه الأحداث ألما شديدا، إنه فقد أبويه فجأة مع كثيرين من أشياخه، وكان أخذ يتعزى عن ذلك بطلب العلم من العلماء الباقين، إلا أن عودة هؤلاء إلى بلادهم «عطله عن طلب العلم»، وأوجد في نفسه «استيحاشا» من هذه الأحداث والأوضاع ؛ فاعتزم اللحاق بأشياخه والسفر معهم إلى المغرب، إلا أن «أخاه الأكبر محمد صده عن ذلك».

ومع هذا قد وجد ابن خلدون بعد مدة وجيزة فرصة جديدة لتحقيق رغبته هذه، فرحل من تونس إلى المغرب، وهذه الفرصة واتته من جراء بعض الوقائع السياسية:

إن الوزير ابن تافراكين - المستبد على الدولة يومئذ بتونس - استدعى ابن خلدون إلى «كتابة العلامة» عن سلطانه «أبو إسحاق».

وأما مهمة كاتب العلامة فكانت «وضع الحمد لله والشكر لله بالقلم الغليظ مما بين البسملة وما بعدها من مخاطبة أو مرسوم.»

تولى ابن خلدون هذا العمل، وأخذ يقوم بهذه المهمة، مع أن عمره ما كان يزيد بعد على العشرين.

وكان عندئذ أمير قسنطينة الحفصي يطالب بعرش السلطنة، ويزحف نحو تونس مع جمع من العساكر والقبائل، وكان الوزير ابن تافراكين أيضا يجمع العساكر والقبائل لمقابلة الأمير الثائر وصده عن إفريقية.

وخرج السلطان من تونس مع العساكر والقبائل التي تجمعت لمناصرته والدفاع عن عرشه، وخرج ابن خلدون أيضا معه بطبيعة الحال.

وعندما وصلوا إلى فحص مرماجنة، التقوا بعساكر الأمير، والتحم الطرفان في حرب عنيفة، انتهت بانهزام عساكر السلطان وجماعته.

وأما ابن خلدون فقد نجا بنفسه من ميدان القتال إلى مدينة «أبة» عقب هذا الانهزام، ولم يعد بعد ذلك إلى تونس. (2) بين تونس وفاس (1352-1354)

إن ذهاب ابن خلدون من ميدان القتال إلى أبة، كان يعني الافتراق عن الطرفين المتخاصمين في وقت واحد.

ويصرح ابن خلدون في ترجمة حياته أن غرضه الأصلي من قبول وظيفة كتابة العلامة كان اقتناص الفرص لمغادرة تونس إلى المغرب؛ لأنه كان يعرف أن السلطان كان يتهيأ إلى السفر، وأن استدعاءه إلى الوظيفة كان بناء على امتناع سلفه من الخروج من السلطان، وكان يعرف أن هذا السفر سييسر له وسائل الانتقال إلى حيث يريد.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٣١