وفي الوقت نفسه يتلقى كتابا آخر من علي بن حسن البني - قاضي الجماعة بغرناطة - يدل على مبلغ اهتمام الطرفين بأخبار بعضهم البعض من ناحية، وأخبار بلادهم من ناحية أخرى.
1
وخلاصة القول: إننا نستطيع أن نجزم بأن العالم العربي كان لا يزال موحدا من حيث الأدب والثقافة، وإن كان في غاية التفكك من حيث الحكم والسياسة.
إن حياة ابن خلدون لا يمكن أن تفهم على وجهها الصحيح إلا بملاحظة هذه الحقيقة الهامة. (2) العالم الإسلامي
إن العالم العربي في عهد ابن خلدون كان كثير الصلات بالبلاد الإسلامية الأخرى أيضا. (1)
وتلك البلاد كلها كانت في دور انتقال هام:
انقراض الدولة السلجوقية من ناحية، والدولة المغولية من ناحية أخرى، كان أدى إلى انقسام البلاد إلى عدد كبير من الإمارات والدويلات الصغيرة، ولكن بعد ذلك بدأت حركتان قويتان تعملان على إزالة هذا التفكك وتوحيد تلك البلاد، إن إحدى هاتين الحركتين كانت فتوحات تيمورلنك، والثانية كانت قيام دولة آل عثمان.
تيمور قام بفتوحات عظيمة شملت جميع الأقطار الآسيوية التي تمتد من الصين إلى العراق، ثم استولى على العراق أيضا، وأخذ يتغلغل في بلاد الشام من ناحية، وفي بلاد الأناضول من ناحية أخرى.
ولكن الدولة التي أنشأها تيمور بهذه الفتوحات السريعة لم تعش مدة طويلة؛ لأنها تجزأت عقب وفاته لتقسيم أقطارها بين أولادها، ثم بين أولاد أولاده.
وأما الدولة التي أنشأها آل عثمان فقد سارت في طريق التوسع والفتوح ببطء كبير بالنسبة إلى سرعة فتوحات تيمور، ولكن فتوحاتها هذه صارت أرسخ وأمتن، وأوجدت أوضاعا سياسية دامت قرونا عديدة.
في الواقع إنها تعرضت إلى صدمة قوية وأزمة خطيرة، عندما حاربها تيمور في ضواحي أنقرة؛ لأن الحرب المذكورة انتهت بانهزام الجيوش العثمانية وأسر سلطانهم بايزيد الأول، وذلك أدى إلى انقسام المملكة بين أولاده الأربعة، ولكن السلطان محمد الأول استطاع - بعد بذل جهود شاقة - أن يتغلب على منافسيه، وأعاد إلى السلطنة العثمانية وحدتها السابقة.
ومن المعلوم أن السلطنة المذكورة أخذت تتوسع بعد هذه الأزمة بسرعة كبيرة، ولا سيما في القارة الأوروبية. «ابن خلدون التقى بتيمور عندما حاصر دمشق، وكانت ملاقاته هذه خاتمة أعماله السياسية، وذلك قبل موته بست سنوات.» «ولكنه لم يلتق بأحد من سلاطين آل عثمان.» (2)
ابن خلدون لم يرحل إلى بلد من البلاد الإسلامية الكائنة خارج العالم العربي، ولكن التاريخ الذي ألفه - مع مقدمته المشهورة - ذهب إلى تلك البلاد، وأثر فيها تأثيرا معنويا كبيرا.
وهذا التأثير صار قويا بوجه خاص عند رجال الدولة العثمانية؛ لأن اللغة العربية كانت لا تزال لغة العلم في تلك البلاد، وكان العلماء العثمانيون يتلقون ثقافتهم من الكتب العربية بوجه عام؛ ولذلك كانوا يهتمون بتعلمها وإتقانها، حتى إن بعضهم كان يكتب مؤلفاته أيضا باللغة العربية. فكان من الطبيعي - والحالة هذه - أن يطلع هؤلاء العلماء على تاريخ ابن خلدون ومقدمته، وأن يتأثروا منه تأثرا عميقا.
ومما يجب ملاحظته في هذا المضمار أن توالي الفتوحات في الدولة العثمانية - ولا سيما في القارة الأوروبية - أدى بطبيعة الحال إلى ظهور طائفة من المؤرخين الذين يتولون تسجيل وقائع هذه الفتوحات العظيمة.
وهؤلاء المؤرخون كانوا يعتبرون التاريخ العثماني بمثابة تتمة لتاريخ الإسلام العام، ولذلك كانوا يعنون بمطالعة كتب التواريخ القديمة، فكان من الطبيعي أن يدرسوا تاريخ ابن خلدون دراسة تفصيلية، وأن يقتبسوا منه ومن مقدمته شيئا كثيرا.
ولهذه الأسباب نجد أن المؤرخين العثمانيين كانوا أول من اهتم بمقدمة ابن خلدون - خارج العالم العربي - حتى إن اهتمام هؤلاء بالمقدمة هو الذي لفت أنظار المستشرقين إليها في أوائل القرن التاسع عشر. (3) العالم الأوروبي