يبدأ كتاب الفذلكة ببحث عن ماهية التاريخ، يقتفي في ذلك أثر ابن خلدون تمام الاقتفاء.
وأما كتاب «تقويم التواريخ» فينتهي ببعض الملاحظات السياسية، يقول المؤلف - في آخرها: «إن تفاصيل هذه المعلومات موجودة في مقدمة ابن خلدون.» (إن كشف الظنون مكتوب باللغة العربية، وكذلك الكتاب الأول من فذلكة التاريخ.) (ب)
مصطفى نعيما من أشهر مؤرخي الدولة العثمانية، عاش في النصف الأخير من القرن السابع عشر، ومات سنة 1716.
وتاريخه المعروف باسم «تاريخ نعيما» مصدر بمقدمة مستلهمة من ابن خلدون.
يشير نعيما إلى «التاريخ الكبير الذي ألفه ابن خلدون المغربي» باسم «عنوان العبر»، ويقول: «إن مقدمة هذا الكتاب وحدها» بمثابة «كنز لا قعر له، ومليء بجواهر العلوم ولآلئ الحكم.»
يذكر نعيما في مقدمة تاريخه هذا نظرية ابن خلدون في الأطوار الخمسة، ولكنه يقول، بعد شرح الطور الخامس: «إن الرجال العظام يستطيعون أن يؤثروا في هذا الطور الخامس، وأن يخلصوا الهيئة الاجتماعية من الاضمحلال.» (ج)
المؤرخ «أحمد بن لطف الله» الذي عرف بلقب «منجم باشي (رئيس المنجمين)» كان معاصرا لنعيما السالف الذكر، عاش في النصف الأخير من القرن السابع عشر، ومات سنة 1702.
كتب تاريخه المشهور «جامع الدول» باللغة العربية، صدره بمقدمة مستلهمة من ابن خلدون، ونقل فيها بعض عباراته بنصوصها الأصلية. مثلا عندما تكلم عن أهم أسباب الخطأ عند المؤرخين، قال: «هو الذهول عن طبيعة العمران وأصول الاجتماع الإنساني على ما فصله ابن خلدون.» (د)
محمد صاحب، المعروف بلقب «بيري زاده»، عاش في الربع الأخير من القرن السابع عشر، والنصف الأول من القرن الثامن عشر (1674-1749).
إنه تبوأ مقام «المشيخة الإسلامية» في عهد السلطانين أحمد الثالث ومحمود الأول.
كان من أشد المعجبين بمقدمة ابن خلدون، وإعجابه هذا حمله على ترجمتها إلى اللغة التركية؛ «لتعم الاستفادة منها».
وعندما تكلم عن مؤلف المقدمة - في هذه الترجمة - قال عنه: «المؤرخ ذو الفنون، العلامة ابن خلدون، من فحول المغاربة ... ولي الدين عبد الرحمن الحضرمي، أحيا فن التاريخ ورفع شأنه.»
ولا حاجة إلى البيان أن هذه الترجمة ساعدت على انتشار آراء ابن خلدون بين الأتراك مساعدة كبيرة.
ظلت ترجمة بيري زاده مخطوطة حتى سنة 1857، حيث طبعت بمطبعة بولاق.
1 (ويقول البارون دو سلان، مترجم المقدمة إلى الفرنسية: إنه عندما علم بوجود نسخة مخطوطة من الترجمة التركية في دار الكتب الملكية ببرلين، كلف أحد أصدقائه باستنساخها. وإنه استفاد منها استفادة كبيرة، على الرغم من وصولها إليه بعد إنجاز ترجمة قسم كبير من المقدمة.) (ه)
أحمد جودت باشا، من أرقى وأشهر علماء الأتراك ومؤرخيهم الذين نبغوا خلال القرن التاسع عشر (1822-1895).
كان المؤرخ الرسمي للدولة العثمانية، وكان يقول إن أشد من أثروا في «تكوينه الفكري» هم: ميشله وتين من الغربيين، وابن تيمية وابن خلدون من الشرقيين.
ولفرط إعجابه بابن خلدون أتم الترجمة التي كان بدأها بيري زاده قبل مائة وثلاثين عاما. ترجم جميع فصول الباب السادس، وفضلا عن ذلك أضاف إليها كثيرا من الشروح والمعلومات، يبدؤها بقوله «للمترجم»، ويختمها بقوله «انتهى كلام المترجم.»
ويفهم مما ورد في آخر الكتاب أن جودت باشا أتم الترجمة سنة 1858، إلا أن طبعها لم يتيسر إلا سنة 1860. (و)
ويجب أن نضيف إلى ما سبق ذكره مؤرخين آخرين كانا من رجال القرن التاسع عشر، وهما: «خير الله أفندي» (1817-1866)، وعبد الله صبحي باشا (1818-1886).
كان خير الله أفندي أول المؤرخين العثمانيين الذين اتصلوا بالتواريخ والمصادر الغربية، سمى تاريخه الضخم «مفتاح العبر»، وصدره بمقدمة تكلم فيها عن آراء ابن خلدون في العصبية وفي أطوار الدول، وقال إنها لا تنطبق على أحوال الدول الأوروبية، وصرح بأن الدول المذكورة لم تكن سريعة الزوال مثل الدول الآسيوية.