تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما القول بأن ابن خلدون لأجل أن يدرس المجتمع يعتمد على الفرد، وبالأخص على درس النظريات التي جاءت بها مباحث ما وراء الطبيعة والمباحث الكلامية عن الروح البشرية، فهو أيضا يخالف الحقائق الراهنة مخالفة كلية؛ لأن ابن خلدون لا يلتجئ إلى شيء من ذلك إلا في الأبحاث المتعلقة بالنبوة والخلافة والإمامة. ومن البديهي أنه لا يحق لأحد أن يحكم على مجموع المقدمة، قياسا على سياق تلك الأبحاث التي ترتبط بالأمور الدينية والأحكام الشرعية، بطبيعتها وموضوعها ارتباطا مباشرا، ولا سيما بعد أن يرى في المقدمة عشرات وعشرات من الأبحاث التي تسير على منهج يخالف ذلك مخالفة قطعية. عشرات من الأبحاث التي تحوم حول «العوائد» التي تتحكم على سلوك الأفراد، و«الأطوار» التي لا تتأثر بإرادات الأفراد، بل تحدث بمقتضى «طبيعة العمران».

إن الدراسة التي كتبناها عن «ابن خلدون وعلم الاجتماع» في هذا الكتاب تشرح ذلك بتفصيل واف، وتكفي لتفنيد رأي الدكتور في هذه المسألة. (ج)

أما قضية تبعية أم عدم تبعية علم الاجتماع للتاريخ، فمما يحتاج إلى تأمل بإمعان، في الواقع إن ابن خلدون فكر في «علم العمران» خلال أبحاثه التاريخية، ودون مسائل هذا العلم عندما تهيأ لكتابة التاريخ، غير أن ذلك لا يبرر القول بأن «ابن خلدون جعل علم العمران تابعا للتاريخ». فإن كل ما قاله وفعله في هذا المضمار يعلمنا بسلسلة الأفكار والملاحظات التي دفعته إلى دراسة علم العمران، ولكنه لا يجعل علم العمران تابعا للتاريخ في حد ذاته؛ لأن المؤلف قد صرح بأن علم العمران مستقل بنفسه، كما أنه جمع مباحث هذا العلم في كتاب خاص منفصل عن مباحث التاريخ الأصلية. إن كل من يدرس هذا الكتاب - الذي عرف باسم المقدمة - يضطر إلى التسليم بأنه لا يرتبط بالكتابين الثاني والثالث من التاريخ ارتباطا فعليا، وبأن فصل الكتاب الأول المذكور عن الكتابين الثاني والثالث، لا يغير شيئا من وضعه أبدا.

فلا يحق لأحد أن ينفي عن علم العمران صفة علم الاجتماع؛ بحجة أنه يكون جزءا من «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر»، طالما صرح واضع العلم المذكور بأنه مستقل بنفسه، وطالما عالج مسائل هذا العلم ومواضيعها أيضا بصورة مستقلة عن مباحث التاريخ.

يلوح لنا أن الدكتور طه حسين قد تأثر في هذه القضية تأثرا خاصا من عبارة وردت في المقدمة عن ثمرة علم العمران. قال ابن خلدون: إن ثمرة هذا العلم هي تصحيح الأخبار. واستشهد الدكتور بهذه العبارة عدة مرات، واستنتج منها النتيجة التالية: «علم العمران في نظر ابن خلدون ليس إلا واسطة لتصحيح الأخبار.»

إننا نعتقد أن الدكتور طه حسين تجاوز حدود الحق والحقيقة كثيرا بهذا الاستنتاج؛ لأن ابن خلدون كتب العبارة المذكورة خلال تكلمه عن ابتكار علم العمران. لقد صرح بأنه لم «يقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة»، وأظهر استغرابه لعدم تفكير الحكماء في مسائل هذا العلم قبله، وحاول أن يعلل ذلك من وجوه عديدة، فقال أولا: «لعلهم كتبوا في هذا الغرض واستوفوه فلم يصل إلينا.» ثم قال بعد ذلك: «لكن الحكماء لعلهم لاحظوا في ذلك العناية بالثمرات، وهذا إنما ثمرته في الأخبار فقط كما رأيت ، وإن كانت مسائله في ذاتها واختصاصها شريفة، ولكن ثمرته تصحيح الأخبار وهي ضعيفة؛ ولهذا هجروه والله أعلم» (مقدمة ابن خلدون، ص38).

يظهر من مطالعة هذه الفقرة بإمعان أن ابن خلدون أشار فيها إلى الفائدة العملية المتوخاة من علم العمران - نقول الفائدة العملية؛ لأننا نجده يستعمل كلمة الثمرة بهذا المعنى في عدة مواضع من المقدمة مثل هذا الموضع - وقال: إن هذه الفائدة العملية هي تصحيح الأخبار التاريخية، وزعم أن هذه الفائدة البسيطة لم تكن كافية لحمل الحكماء على التفكير في مسائل العمران والاجتماع، مع أن هذه المسائل «شريفة في ذاتها واختصاصها».

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٢٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٢٣٧