2 (1)
لقد اعتقد بعض العلماء الغربيين - ما بين مؤرخين واجتماعيين - أن ابن خلدون قد سبق المفكرين الذين أسسوا علم الاجتماع في القرن الأخير؛ ولذلك منحوه لقب «العالم الاجتماعي»، واعتبروا المقدمة التي كتبها في القرن الرابع عشر باكورة لما نسميه اليوم علم الاجتماع.
وأما الدكتور طه حسين فقد اعترض على آراء هؤلاء أيضا بشدة وقطعية، فلم يسلم باستحقاق ابن خلدون لقب العالم الاجتماعي، حتى إنه لم يوافق على اعتبار مقدمة ابن خلدون باكورة لعلم الاجتماع الحالي.
وأما الأدلة التي يسردها الدكتور في أطروحته لدعم رأيه في هذا المضمار، فيمكننا أن نصنفها ونلخصها كما يلي: (أ)
نرى من قراءة المقدمة أن ابن خلدون لا يشير إلا إلى شكل اجتماعي واحد، هو الدولة المنظمة التي يسميها أحيانا بالشعب، وأحيانا بالأمة.
فموضوع بحثه هو الدولة، وهو أضيق من أن يصلح موضوعا لعلم الاجتماع، فهو جزء منه، وأبعد من أن يكون كلا له (فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، ص63). (ب)
يرى ابن خلدون أن الظواهر الاجتماعية لا تختلف عن الظواهر الفردية، وأن من الممكن دائما أن ترد إليها (ص68).
وهو لأجل أن يدرس المجتمع يعتمد على درس الفرد، وبالأخص على درس النظريات التي جاءت بها مباحث ما وراء الطبيعة، والمباحث الكلامية عن الروح البشرية (ص60). (ج)
يدرس ابن خلدون المجتمع ليشرح التاريخ، ولأجل أن يوصف الاجتماع بأنه علم؛ يجب أن يكون مستقلا (ص60).
في الواقع إن ابن خلدون يعتبر علم الاجتماع مستقلا، ومع ذلك يعترف بأنه ليس تام الاستقلال؛ إذ يقول إنه ليس ثمة باعث لوجوده «إلا إيضاح الوقائع التاريخية وتحقيقها» (ص56). (د)
إن واجب الاجتماعي هو أن يفهم المجتمع في حد ذاته مستقلا عن علاقاته بالزمن (ص65)، فكل الأبحاث التي تنظر إلى المجتمع من خلال التاريخ - الذي يمثل الأزمنة الماضية - لا يمكن أن تكون علما اجتماعيا، فلا تخولنا حق منح صاحبها لقب العالم الاجتماعي. (2)
إن هذه الأدلة تظهر لنا مكثفة ومركزة في العبارات التالية التي يلخص بها الدكتور طه حسين رأيه في مقدمة ابن خلدون من وجهة علم الاجتماع: «المجتمع في أحد أشكاله فقط يفهم على أشد الطرق سذاجة، ويدرس لأجل التاريخ، طبقا لمنهج شديد الاختلال في بعض المواطن، على أنه جم البراعة أيضا. هذه خلاصة ما تحتويه مقدمة ابن خلدون بصفة عامة» (ص62).
يقول الدكتور طه حسين كل ذلك، على الرغم مما قاله عدد كبير من علماء الغرب الذين «افتتنوا بمقدمة ابن خلدون افتتانا كبيرا»، ولم يترددوا في تلقيب مؤلفها بلقب «العالم الاجتماعي»، بل ورأوا وجوب تلقيبه بلقب «مؤسس علم الاجتماع» أيضا. (3)
فعلينا أن ننعم النظر في انتقادات الدكتور طه حسين؛ لنرى مبلغ حظها من الحق والصواب: (أ)
إن ما يدعيه الدكتور من أن موضوع بحث ابن خلدون هو الدولة، ومن أنه لا يشير إلا إلى شكل اجتماعي واحد هو الدولة المنظمة، يخالف الواقع مخالفة صريحة.
ذلك لأن أبحاث «الدولة المنظمة» في مقدمة ابن خلدون تنحصر في باب واحد من أبوابها، وأما الأبواب الأخرى من المقدمة، فتتضمن أبحاثا كثيرة وشائقة عن القبائل والعشائر، والمدن والأمصار، ووسائل الرزق والمعاش، والعلم والتعليم. فالقول - والحالة هذه - إن ابن خلدون لا يبحث إلا عن الدولة، ولا سيما الدولة المنظمة، لا ينطبق على الحقائق الراهنة بوجه من الوجوه. إن نظرة منصفة إلى فهرست فصول المقدمة تكفي لتفنيد هذا الزعم بصورة لا تترك مجالا لأدنى ريب في هذا الشأن. (ب)
وكذلك الأمر فيما يدعيه الدكتور من أن ابن خلدون يرى أن الظواهر الاجتماعية لا تختلف عن الظواهر الفردية، وأن من الممكن أن ترد إليها.
فإنني أعتقد أن هذا الادعاء أيضا يخالف الواقع مخالفة صريحة؛ فإن أبرز الانطباعات التي يحصل عليها علماء الاجتماع عندما يدرسون مقدمة ابن خلدون، هو اهتمام مؤلفها بالمظاهر الاجتماعية اهتماما بارزا، وإهماله العوامل الفردية إهمالا كليا. إن الدراسات التي كتبناها عن آراء ابن خلدون في القسر الاجتماعي من جهة، وطبائع الأمم من جهة أخرى، تبرهن على ذلك بكل وضوح وجلاء.