في الواقع إن الأستاذ عبد الله عنان نشر مؤخرا - سنة 1933 - كتابا بعنوان: «ابن خلدون، حياته وتراثه الفكري»، وتوسع فيه بوجه خاص في شرح صفحات حياته المختلفة، كما اهتم بنقل وتلخيص ما قيل عنه في بلاد الغرب، وأدى بذلك إلى قراء العربية خدمة كبيرة، غير أنه التزم جانب الاختصار فيما يتعلق بآراء ابن خلدون في التاريخ والاجتماع، وحصر كلامه عن ذلك كله في فصل صغير لا يتجاوز عدد صفحاته العشرة؛ لأنه رأى أن يحيل قراءه إلى كتاب الدكتور طه حسين، قائلا: «يستطيع من يريد شرحا وافيا لمقدمة ابن خلدون ونظرياته الفلسفية والاجتماعية أن يرجع إلى رسالة صديقي الدكتور طه حسين «فلسفة ابن خلدون الاجتماعية»، التي نقلتها إلى العربية» (ابن خلدون حياته وتراثه الفكري، ص110).
ولهذا السبب نستطيع أن نقول إن أطروحة الدكتور طه حسين لا تزال «المرجع الوحيد» لمن يريد الاطلاع على فلسفة ابن خلدون في التاريخ والاجتماع من مصادر عربية.
ومما يؤسف له كل الأسف أن الدكتور طه حسين كان قد كتب الأطروحة المذكورة، عندما كان حديث عهد بدراسة علم الاجتماع، فلم يكن قد أحاط علما - عندئذ - بنظريات علم الاجتماع وتاريخه الإحاطة الكافية. كما أنه لم يكن قد وجد متسعا من الوقت للتعمق في دراسة مقدمة ابن خلدون التعمق اللازم.
ويظهر أنه كان مدفوعا - في الوقت نفسه - بروح انتقاد عنيفة، حملته على نقد العلماء الغربيين الذين قد «بهرتهم طرافة ابن خلدون» - حسب تعبيره - وجعلتهم يرون فيه فيلسوفا حديثا (ص100).
لقد أخذ الدكتور طه حسين على عاتقه نقد آراء هؤلاء الغربيين المفتونين بابن خلدون وبمقدمة ابن خلدون.
فقد اعتقد جماعة منهم أن ابن خلدون كان «أول من أراد أن يجعل من التاريخ علما»، غير أن الدكتور اندفع في الاعتراض عليهم صائحا: «كلا، إن ابن خلدون لم يفكر في ذلك مطلقا.»
وكذلك «كان قد خلع جماعة منهم على ابن خلدون لقب «العالم الاجتماعي»، واعتبروا عمله «باكورة لما نسميه اليوم علم الاجتماع»، غير أن الدكتور انبرى للرد عليهم قائلا: «كلا، إن ذلك يكون مبالغة كبيرة.»
فيجدر بنا أن نقدم على تمحيص الآراء التي أدلى بها الدكتور طه حسين في كتابه الآنف الذكر بشيء من التفصيل.
1 (1)
لقد اعتقد عدد من العلماء - ما بين مستشرقين وفلاسفة - أن ابن خلدون «ذلك المفكر الذي ظهر في القرون الوسطى، قد سبق منذ القرن الرابع عشر المذاهب الحديثة التي ترمي إلى جعل التاريخ علما لا فنا أدبيا» (فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، ص31).
غير أن الدكتور طه حسين اعترض عليهم بشدة، وزعم أن طريقة ابن خلدون في التاريخ خاطئة من أساسها.
وأما الأدلة التي يحاول الدكتور أن يدعم بها رأيه في هذا الصدد، فيمكن أن تلخص في الأمور الثلاثة التالية: (أ)
أن «فررو» كان أول من اعتقد أن ابن خلدون أراد أن يجعل من التاريخ علما. لا ريب في أنه خدع بعبارة وردت في المقدمة يسمي بها ابن خلدون التاريخ علما. وإلى نفس هذا الخطأ يجب أن ينسب تقدير الأستاذ فلينت الذي اعتمد على ترجمة دو سلان الفرنسية (فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، ص34).
وهذا خطأ محض؛ لأن كلمة العلم في العربية لا تقابل كلمة
Science
بمعناها الغربي الحالي، بل إنها تدل على «المعرفة» بوجه عام. «فليس ثمة شك في تلك النقطة، وهي أن ابن خلدون لم يفكر مطلقا في أن يجعل من التاريخ علما بمعنى الكلمة. ويظهر ذلك ظهورا كافيا من خطته، وأكثر منه في مقدمته» (ص35). (ب) «وبعد، فما قيمة طريقة ابن خلدون التاريخية؟ إن المسألة الأساسية في التاريخ قد فاتته؛ فهو لا يعنى بالبحث عن المصادر ولا يفحصها، مع أن ذلك أول ما يجب على المؤرخ، ولا يهتم للشكل الذي يجب أن يعرض به المؤرخ الوثائق المستكشفة بعد استيفائها، مع ما لذلك من كبير أهمية» (ص48). «إن ابن خلدون يرى أن قواعد الفحص والتحقيق ترجع إلى أصل واحد، وهو وجوب البحث بطريقة نظرية عما إذا كانت واقعة من الوقائع ممكنة في ذاتها، وعما إذا لم تك مناقضة لطبائع العمران، وأما أن يستكشف الأثر المادي للوقائع، ثم يمتحنه ويستجوبه، فإن ابن خلدون لا يفكر في ذلك، وربما لا يعتقد أن ذلك في حيز الإمكان» (ص32). (ج)