وزيادة على كل ذلك، فإن ابن خلدون يقرن اسم العرب باسم البربر خلال بحثه عن اختلاف أحوال العمران في الخصب والجوع (آخر الصفحة 87)، وفي أبحاثه عن حروب الكر والفر أيضا (ص271).
والحقيقة الناصعة التي لا مجال للشك فيها في هذا الصدد، أن ابن خلدون يقصد من كلمة العرب التي كتبها في هذه المواضع «البدو والأعراب»؛ ولهذا السبب لا يجد فرقا بينهم وبين البربر من وجهة القضايا التي يشرحها، ويتحامل على البربر أيضا بأقسى العبارات.
4
وأما وقائع عصيان البربر على العرب وانتقاضهم عليهم - تلك الوقائع التي أشار إليها الأستاذ عبد الله عنان - فابن خلدون يلاحظها بنزعة علمية خالصة، ويعللها بنظرة اجتماعية دقيقة. إنه يذكرها في الفصل الذي يقرر «أن الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب، قل أن تستحكم فيها دولة.»
يعلل ابن خلدون هذه «القاعدة العامة» بقوله: «والسبب في ذلك اختلاف الآراء والأهواء، وأن وراء كل رأي منها وهوى، عصبية تدافع دونها. فيكثر الانتقاض على الدولة والخروج عليها في كل وقت وإن كانت ذات عصبية؛ لأن كل عصبية ممن تحت يدها تظن في نفسها منعة وقوة» (ص164).
ثم يستشهد على ذلك أولا بما حدث في إفريقية والمغرب قائلا: «انظر ما وقع من ذلك في إفريقية والمغرب منذ أوائل الإسلام ولهذا العهد؛ فإن ساكني هذه الأوطان من البربر أهل قبائل وعصبيات، فلم يغن فيهم الغلب الأول شيئا، وعاودوا بعد ذلك إلى الثورة والردة مرة بعد أخرى، وعظم إثخان المسلمين فيهم، ولما استقر فيهم الدين؛ عادوا إلى الثورة والخروج والأخذ بدين الخوارج مرات عديدة.» «وهذا معنى ما ينقل عن عمر أن إفريقية مفرقة لقلوب أهلها، إشارة إلى ما فيها من كثرة العصائب والقبائل، الحاملة لهم على عدم الإذعان والانقياد.» «ولم يكن العراق لذلك العهد بتلك الصفة ولا الشام، إنما كانت حاميتها من فارس والروم، والكافة دهماء، أهل مدن وأمصار. فلما غلبهم المسلمون على الأمر وانتزعوه من أيديهم، لم يبق فيها ممانع ولا مشاق.» «والبربر قبائلهم بالمغرب أكثر من أن تحصى، وكلهم بادية أهل عصائب وعشائر، وكلما هلكت قبيلة عادت أخرى مكانها، وإلى دينها من الخلاف والردة. فطال أمر العرب في تمهيد الدولة بوطن إفريقية والمغرب» (ص164-165).
إنني أعتقد بأن هذا التحليل والتعليل مما يجوز اعتباره نموذجا راقيا للتفسير الاجتماعي البحت، ذلك التفسير والتعليل الذي يرد أهم العوامل الاجتماعية إلى بنية المجتمع، وفقا لما ذهب إليه جماعة من علماء الاجتماع، مثل إميل دوركهايم وأتباعه في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحاضر.
يتبين من هذه العبارات ومن مجموع الفصل أن ابن خلدون يعلل أمر «مقاومة البربر» بكونهم «بادية وأهل عصائب وعشائر»، ويقول بصراحة تامة إن «كثرة العصائب والقبائل» هي التي حملتهم على عدم الإذعان والانقياد»، ويرى فيهم مثالا من أمثلة «قانون اجتماعي وتاريخي عام»، يقرره بنظرة شيئية
Objectif
بحتة. •••
والقول مع ذلك أن ابن خلدون يتشيع للبربر، ويهاجم العرب تشيعا للبربر، مما لا يتفق مع صراحة النصوص التي نقلناها آنفا. وأما الانتقال من ذلك كله إلى الشك في نسب ابن خلدون، والقول ببربريته - تعليلا لتشيعه المزعوم - فمما يخالف مقتضيات الأبحاث العلمية مخالفة كلية.
| نقد كتاب فلسفة ابن خلدون الاجتماعية
كتب الدكتور طه حسين أطروحة باللغة الفرنسية عن «فلسفة ابن خلدون الاجتماعية» عندما كان يدرس في باريس، ونشرها سنة 1918، وقد نقلت الأطروحة المذكورة إلى العربية بقلم الأستاذ المحامي عبد الله عنان، ونشرت في مصر القاهرة سنة 1926.
إن الكتاب المذكور يكاد يكون المؤلف الوحيد الذي يشرح نظريات ابن خلدون في الفلسفة الاجتماعية والتاريخ، بشيء من التفصيل، باللغة العربية.