فهذه الخطة التي يضعها ابن خلدون لم تكن ناقصة وغير وافية بالمرام فحسب، بل هي خطة تنطوي على شيء من الدور الباطل والتناقض المنطقي أيضا. «إن التاريخ بحث اجتماعي، وتجب لكتابته وفهمه معرفة المجتمع البشري. وكيف يدرس المجتمع البشري، أبالتاريخ الذي هو ملاحظة سطحية للوقائع؟ أم بالاستعانة بعلم آخر يتكون من ملاحظتها بطريق مباشر؟ يجيب ابن خلدون أن الوسيلة هي الطريقة الأولى. ولكن كيف يمكن الخروج من هذا الدور؟ إنه لا يحاول ذلك، ولو أنه حاول لما استطاع الفوز» (ص49).
وكل ذلك يدل دلالة قطعية - على رأي الدكتور طه حسين - أن طريقة ابن خلدون التاريخية كانت خاطئة من أساسها. (2)
فلندرس بإمعان كل واحد من هذه الأدلة التي بنى عليها الدكتور طه حسين حكمه البتار في هذا المضمار: (أ)
لا شك في أن استعمال كلمة «العلم» وحدها لا يبرر اعتبار ابن خلدون محاولا لتأسيس علم التاريخ، غير أنه لا مجال للشك أيضا في أن العلماء الذين يشير إليهم الدكتور لم يستندوا في حكمهم لابن خلدون في هذا الصدد إلى تعبير «علم التاريخ» وحده؛ فقد اشتغل الأستاذ فلينت - مثلا - أكثر من ربع قرن بدرس تاريخ فلسفة التاريخ وعلم التاريخ، فاستعرض ونقد كل ما كتب في هذا الصدد في مختلف اللغات، من عهد أرسطو وأفلاطون، حتى أواخر القرن التاسع عشر. فهل يعقل أن يكتب مؤرخ مفكر مثل فلينت ما كتبه عن ابن خلدون مستندا إلى تعبير علم التاريخ وحده، ويقول ما قاله في هذا الصدد مخدوعا بكلمة العلم وحدها؟! فكيف يسوغ لنا أن نزعم بأنه كان مخدوعا بترجمة دو سلان الذي لم ينتبه إلى معنى كلمة «العلم» العام؟
إنني لا أشك في أن من يدرس مؤلفات فلينت - من تاريخ فلسفة التاريخ في فرنسا وألمانيا، إلى تاريخ فلسفة التاريخ العام - ويطلع على انتقاداته المختلفة، لا يتردد في القول بأن ما كتبه عن ابن خلدون لا يمكن أن يكون مستندا إلى كلمة واحدة، بل لا بد من أن يكون مستندا إلى مجموع آراء ابن خلدون، ومجموع ما جاء في مقدمته المشهورة.
فلنترك «فلينت» وما قاله جانبا، ولننظر في القضية مباشرة؛ بماذا يمتاز العلم عن المعرفة؟ وبتعبير آخر: ما الفرق بين «المعرفة العلمية» وبين «المعرفة العادية»؟
من المعلوم أن «العلم» يتألف من معارف منسقة تنسيقا يربط الأسباب بالمسببات، ويظهر القوانين الترافقية أو التعاقبية
1
Iois de succession et de coexistence
التي تتجلى في الحادثات، والنظرة العلمية للحادثات إنما هي النظرة التي لا تكتفي بملاحظة الوقائع وتسجيلها، بل تسعى لاكتشاف القوانين المتعلقة بتلك الوقائع، وإظهار عللها الموجبة أيضا.
فلنتأمل في رأي ابن خلدون في التاريخ من هذه الوجهة؛ نجد أنه يعتقد بوجود علل وأسباب تؤدي إلى حدوث وقائع التاريخ، كما يعتقد بوجود قوانين عامة تشمل الأمم المختلفة في جميع الأقطار والأعصار، ونجد أيضا أنه يحاول - في مختلف فصول المقدمة - إظهار هذه القوانين العامة وتبيين تلك الأسباب الموجبة. ولا مجال للشك في أن كل ذلك إنما هو من الصفات الأساسية التي تميز «الأبحاث العلمية» من «المعارف الاعتيادية».
إن العلماء الذين قالوا إن ابن خلدون أراد أن يجعل من التاريخ علما، بنوا قولهم هذا على ما شاهدوه في المقدمة من الملاحظات والمحاولات التي استهدفت اكتشاف تلك القوانين، وبيان تلك العلل والأسباب، لا على معنى واحد من معاني كلمة واحدة، فمهما كان مدلول كلمة «العلم» التي استعملها ابن خلدون في هذا الصدد، فمما لا مجال للشك فيه أن المقدمة - بهيئتها العامة - كانت محاولة صريحة لبحث الوقائع التاريخية بحثا علميا، مهما كان حظ هذه المحاولة من النجاح والإصابة.
وهذا يبرر تماما قول القائلين بأن ابن خلدون كان أول من حاول جعل التاريخ علما. (ب)