وخلاصة القول: قضى ابن خلدون 24 سنة من حياته في تونس، و26 سنة منها في المغرب الأوسط والأقصى والأندلس، و24 سنة منها في مصر والشام والحجاز.
ولم يبق خارج مسارح حياته ومجالات نشاطه قطرا عربيا غير قلب الجزيرة العربية والعراق.
ولتقدير مبلغ اتساع هذه الأقطار التي عاش وعمل وتنقل فيها ابن خلدون تقديرا صحيحا، يجب علينا أن نأخذ بنظر الاعتبار حالة «وسائط المواصلة» التي كان يلجأ إليها في ذلك العهد للانتقال من مدينة إلى مدينة، ومن قطر إلى قطر. يتبين مما ذكره ابن خلدون نفسه في ترجمة حياته أن رحلته من تونس إلى الإسكندرية كانت استوجبت بقاءه على ظهر المركب أربعين ليلة، وانتقاله من الطور إلى ينبع، خلال رحلته إلى الحجاز استغرق شهرا كاملا، كما أن مجيئه من قوص إلى القاهرة - داخل القطر المصري نفسه - خلال عودته من الحج تطلب مدة مماثلة لذلك.
4
إن ظروف حياة ابن خلدون التي لخصناها آنفا ساعدت على توسيع ملاحظاته وتنمية معلوماته مساعدة كبيرة، كما أنها أثرت في تكوين أسلوب تفكيره تأثيرا عميقا.
إنه كتب المقدمة سنة 1377 / 779، بعد أن وصل إلى منتصف العقد الخامس من العمر، وبعد أن شاهد كثيرا من الانقلابات السياسية، واشترك اشتراكا فعليا في عدد غير قليل منها، ومما لا شك فيه أن الأمور التي لاحظها خلال هذه السنين الطويلة في هذه الأقطار المختلفة، وبين تلك الانقلابات المتتالية، كانت من أهم العوامل التي أثارت تأملاته، ووجهت نظرياته عندما أقدم على كتابة المقدمة.
كما أن الحياة التي عاشها ابن خلدون بعد ذلك، ولا سيما المهام التي تولاها بعد انتقاله إلى مصر، لعبت دورا هاما في توسيع مباحث المقدمة وتحويرها.
فيجدر بنا أن نلقي نظرات سريعة:
أولا:
على خصائص البيئة العائلية التي نشأ وترعرع فيها.
ثانيا:
على أحوال العصر الذي عاش وعمل وفكر خلاله.
ثالثا:
على أهم الحوادث التي تعرض إليها خلال حياته العامة.
وذلك لكي نفهم جيدا أهم العوامل التي أثرت في تكوينه الفكري العام من ناحية، والتي ألهمته النظريات التي دونها في مقدمته المشهورة من ناحية أخرى.
| أسرة ابن خلدون
1
تولى ابن خلدون بنفسه كتابة ترجمة حياته، بدأها بتفصيل نسبه، وذكر أسماء أجداده المعلومين، وذلك استنادا إلى ما سمعه من الأخبار من ناحية، وإلى ما قرأه في كتب التاريخ والأنساب من ناحية أخرى.
ويتبين من الترجمة المذكورة أن أسرة ابن خلدون كانت حضرمية الأصل، يصعد نسبها إلى وائل بن حجر الذي كان من كبار الصحابة، والذي تولى مهمة تعليم القرآن ونشر الإسلام في اليمن.
وكان أحد أحفاد وائل المشار إليه آنفا، رحل إلى الأندلس مع جند اليمن، كان يسمى في بلده وبين أسرته خالد بن عثمان، ولكن اسمه هذا تحول في الأندلس من خالد إلى خلدون، وفقا لعادات المغاربة وتقاليدهم؛ ولذلك عرف بنوه وأحفاده من بعده بهذا الاسم الجديد «بنو خلدون».
لا يعين ابن خلدون تاريخ دخول هذا «الجد الأعلى» إلى الأندلس، ولكنه عندما يفصل نسبه يذكر بينه وبين وائل الآنف الذكر ستة آباء، وذلك يدل على أن وصوله إلى الأندلس، كان بعد الفتح بمدة غير يسيرة، ويحمل على الظن بأن ذلك كان في أوائل القرن الثالث للهجرة.
من المؤكد أن بني خلدون نشئوا أولا في قرمونة، حيث كان نزل جدهم الأكبر خلدون بن عثمان، ثم انتقلوا إلى إشبيلية وترعرعوا فيها.
وقد بدءوا يظهرون على مسرح السياسة ويلعبون دورا هاما فيها منذ الربيع الأخير للقرن الثالث للهجرة، إنهم كانوا من جملة الثوار الذين خلعوا طاعة الخلفاء الأمويين في الأندلس في أواخر القرن المذكور.
وبعد ذلك التاريخ ظل بنو خلدون يتمتعون بمكانة مرموقة في ميداني العلم والسياسة.
والمؤرخ الأندلسي المشهور «ابن حيان»، الذي كان من رجال القرن الحادي عشر للميلاد والخامس للهجرة، قال عنهم ما يلي: «بنو خلدون إلى الآن في إشبيلية نهاية النباهة، ولم تزل أعلامهم بين رياسة سلطانية ورياسة علمية.»