تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما أقدم من اشتهر منهم بالسياسية - أو بالرياسة السلطانية حسب تعبير «أبو حيان» - فكان كريب بن خلدون؛ كان من رؤساء الثورة التي قامت على الخلفاء الأمويين، وقد اشترك مع سائر زعماء الثورة في حكم إشبيلية في بادئ الأمر، ولكنه انفرد بذلك الحكم بعد مدة، وظل يحكم إشبيلية حكما مطلقا، إلى أن لقي حتفه في ثورة قامت عليه.

وأما أعظم من كان اشتهر من بني خلدون في ميدان العلم - أو في الرياسة العلمية حسب تعبير «أبو حيان» - فكان عمر بن خلدون، قال عنه ابن أبي أصيبعة في كتابه عيون الأنباء في طبقات الأطباء ما يلي: «أبو مسلم عمر بن خلدون الحضرمي، من أشراف أهل إشبيلية، كان متصرفا في علوم الفلسفة ، مشهورا بعلم الهندسة والنجوم والطب، توفي في بلده سنة تسع وأربعين وأربعمائة.»

كما صرح ابن أبي أصيبعة بأن عمر بن خلدون كان من تلامذة أبي القاسم مسلمة المجريطي المشهور بالعلوم الرياضية.

2

ظل بنو خلدون في إشبيلية إلى حين «غلب ملك الجلالقة ابن أدفونش عليها»، وعندئذ جلوا عنها مع من جلى، وانتقلوا إلى سبتة، ومنها إلى تونس وتوطنوا فيها.

وقد تمتع بنو خلدون في موطنهم الجديد أيضا بمكانة سامية، والسبب في ذلك يعود إلى قدم علاقاتهم مع ملوك إفريقية.

من المعلوم أن زكريا الحفصي الذي أسس الدولة الحفصية في تونس سنة 1227 / 625، كان واليا على إشبيلية قبل أن يتولى ولاية إفريقية ويستقل فيها، كما أن كلا من والده وجده أيضا كان قد تولى إدارة إشبيلية مرات عديدة، وخلال هذه الولايات كانت توطدت بينهم وبين بني خلدون علاقات حسنة، وهذه العلاقات القديمة التي كانت توطدت بين الأسرتين منذ أجيال عديدة هي التي حملت بني خلدون على اختيار تونس مهجرا لهم - ترجيحا على سائر الأقطار المغربية - وهي التي ساعدتهم مساعدة كبيرة على أن يحصلوا على مكانة ممتازة هناك أيضا، تحت رعاية الأسرة المالكة الحفصية.

ظل بنو خلدون يتقلبون في تونس أيضا بين «رياسة علمية ورياسة سلطانية»، تولوا عدة مرات أعلى مراتب الدولة، واشتركوا في الكثير من حروبها دون أن يقطعوا صلاتهم بالعلم والأدب.

كان الجد الثاني لمؤلف المقدمة تولى الوزارة والقيادة، ومات مقتولا خلال إحدى الثورات، وكان جده الأقرب أيضا تولى الوزارة عدة مرات، وكثيرا ما ناب عن السلطان خلال غيابه عن عاصمة الملك، إلا أن والد ابن خلدون «آثر العلم والرباط على السيف والخدمة»، وانصرف بكليته إلى العلم والأدب، ويقول عنه ابن خلدون: «إنه قرأ وتفقه، وكان مقدما في صناعة العربية، وله بصر بالشعر وفنونه، وعهدي بأهل الأدب يتحاكمون إليه فيه، ويعرضون حوكهم عليه.»

3

لقد نشأ ابن خلدون وترعرع في كنف هذه الأسرة، يسمع منذ صغره مناقب أجداده، ويحضر مجالس والده، ويعي أحاديث ضيوفه وزواره.

وكان من شأن هذه البيئة العائلية أن تولد في نفسه نزعتين قويتين؛ حب المنصب والجاه من ناحية، وحب الدرس والعلم من ناحية أخرى.

إن كل واحدة من هاتين النزعتين كانت عميقة الجذور وشديدة التأثير في نفسية ابن خلدون، إنهما تنازعتا السيطرة على تلك النفسية مدة طويلة، وتغلبت - إلى حد ما - تارة الأولى على الثانية، وطورا الثانية على الأولى، إلا أن هذه الغلبة لم تصبح حاسمة في وقت من الأوقات، وظلت النزعتان تؤثران في ابن خلدون طول حياته، دون أن تستطيع الواحدة منهما القضاء على الأخرى قضاء مبرما.

ولذلك نجد ابن خلدون ينكب في بادئ الأمر على الدرس والتحصيل بكل نهم، ولكنه بعد ذلك حالما يدخل الحياة العامة ينجرف بتيار حب المنصب والجاه، ويخوض غمار الحياة السياسية بكل اندفاع، ويعيش قرابة ربع قرن عيشة حافلة بشتى حوادث الطموح والمغامرة، ولكنه خلال هذه الحياة السياسية المغامرة أيضا لا يتخلى عن حب الدرس والعلم، بل ينتهز كل الفرص للاستزادة من العلم بكل الوسائل الممكنة.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٢٢