غير أن هذه الأسماء والألقاب والنعوت الكثيرة والمتنوعة أهملت بمرور الزمان الواحد بعد الآخر، إلى أن أصبح مؤلف المقدمة يعرف ويعرف باسم «ابن خلدون»، مجردا عن سائر الأسماء والنعوت.
وذلك على الرغم من أن التاريخ يذكر عددا غير قليل من الرجال الذين كانوا يحملون مثله لقب «ابن خلدون»، وعلى الرغم من أن بعضهم كان قد نال شهرة كبيرة في السياسة، وبعضهم الآخر في العلم.
ويظهر من ذلك أن شهرة عبد الرحمن ابن خلدون فاقت شهرة جميع هؤلاء على اختلاف عهودهم، فارتبط اسم ابن خلدون في الأذهان بمؤلف المقدمة وحده، كما أن المقدمة نفسها صارت تعرف باسم «مقدمة ابن خلدون» على وجه الاختصار.
وهذه الحالة أدت إلى توريط بعض الكتاب في أخطاء فادحة:
فقد خلط بعضهم بين مؤلف المقدمة وبين أخيه الأصغر يحيى ابن خلدون، ونسب إليه كتاب التاريخ المعنون بعنوان «بغية الرواد في أخبار بني عبد الواد»، مع أن الكتاب المذكور من تأليف «أبو زكريا يحيى»، لا «أبو زيد عبد الرحمن».
وخلط بعضهم بين مؤلف المقدمة وبين عمر بن خلدون، فذهب إلى أنه حلق في العلوم الرياضية والفلك، مع أن التحليق في هذه العلوم يعود إلى «عمر بن خلدون»، الذي توفي قبل ولادة مؤلف المقدمة بمدة تقرب من ثلاثة قرون.
2
ولد ابن خلدون في تونس سنة 1332 / 732، وتوفي في القاهرة سنة 1406 / 808، وعاش بهذه الصورة مدة لا تقل عن ثلاثة أرباع القرن إلا سنة واحدة.
إن هذه السنوات الطويلة كانت زاخرة بنشاط خارق للعادة، وحيوية محيرة للعقول.
كان نشاط ابن خلدون عديد الجوانب، شمل ميادين الإدارة والسياسة، الخطابة والقضاء، الدرس والبحث، والتدريس والتأليف.
وكانت حيويته عنيفة صاخبة لا تعرف معنى للهدوء، ولا تبالي بالأخطار والأهوال؛ ولذلك صارت حياته سلسلة طويلة من حوادث النجاح والفشل، إنه وصل إلى أعلى مناصب الحكم في عهود ملوك عديدين في دول عديدة، ولكنه في الوقت نفسه تعرض إلى محن ونكبات متنوعة مرات عديدة.
إنه تنعم بنعم القصور، ولكنه ذاق مرارة الاعتقال والسجن أيضا، حضر حربا انتهت بانهزام الجماعة التي ينتسب إليها؛ فاضطرته إلى الهيام في الصحاري مدة من الزمن، كما أنه تعرض إلى غزوة جردته من كل ما كان له من أمتعة، حتى الثياب.
دخل غمار الحياة العامة قبل أن يبلغ العشرين من عمره، وقام بمهمة سياسية خطيرة بعدما وصل إلى عتبة السبعين أيضا، وبين وظيفته الأولى ومهمته الأخيرة تولى كتابة السر وخطة المظالم، وصار وزيرا، وحاجبا، وسفيرا، ومدرسا، وقاضيا، وخطيبا، وكل ذلك بين سلسلة من الحوادث والمشاكل، وبين ضروب من المنافسات والمخاصمات.
ولم يتمتع ابن خلدون خلال عمره الطويل ب «حياة الهدوء» بمعناها التام إلا نحو أربعة أعوام؛ وذلك بين أوائل سنة 1375 وأواخر سنة 1378، عندما اعتزل الحياة العامة وانزوى في قلعة ابن سلامة بعيدا عن شواغل المدن وبهارجها.
ولكن مما يلفت النظر أن هذه السنين القليلة التي اعتزل خلالها ابن خلدون الحياة العامة، وتمتع بنعم الهدوء، كانت أثمن وأخصب سني حياته، من حيث النشاط الفكري والإنتاج العلمي؛ لأن المقدمة التي ضمنت له الخلود بين أعاظم رجال الفكر في العالم كانت من نتاج هذه الحياة المنزوية في تلك القلعة النائية.
3
إن مسرح حياة ابن خلدون ونشاطه لم ينحصر بمسقط رأسه تونس، ومثوى رفاته القاهرة، بل شمل معظم أقطار العالم العربي المترامي الأطراف.
غادر ابن خلدون مسقط رأسه تونس وهو في سن العشرين، ولم يعد إليها إلا بعد ستة وعشرين عاما، تنقل خلالها بين مختلف مدن المغرب الأدنى والأقصى والأندلس، لم يمكث فيها بعد هذه العودة إلا أربعة أعوام، انتقل بعدها إلى مصر، وبقي فيها حتى آخر حياته، إلا أنه لم ينقطع عن التنقل بتاتا خلال وجوده في مصر أيضا؛ ذهب مرة إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، ومرة إلى القدس لزيارة المقامات المباركة، ومرة إلى دمشق للاشتراك في الدفاع عن المدينة عندما أخذ تيمور يغزو بلاد الشام.