ومن المعلوم أن الإيمان باليوم الآخر من أمهات العقائد الإيمانية، وهو يتضمن الإيمان «بنعيم جنة وشقاء جهنم»، وكل ذلك مما يتعدى نطاق إدراكنا، فلا سبيل لنا إلى معرفة هذه الأمور إلا بالرجوع إلى ما جاء عنها في الشريعة المحمدية. «إن السعادة التي وعدنا بها الشارع على امتثال ما أمر به من الأعمال والأخلاق، فأمر لا تحيط به مدارك المدركين.» «وقد تنبه إليها زعيمهم (أي زعيم الفلاسفة) أبو علي بن سينا فقال - في كتاب المبدأ والمعاد - ما معناه: إن المعاد الروحاني وأحواله، هو مما يتوصل إليه بالبراهين العقلية والمقاييس (أي القياسات المنطقية)؛ لأنه على نسبة طبيعية محفوظة، ووتيرة واحدة، فلنا في البراهين عليه سعة. وأما المعاد الجسماني وأحواله فلا يمكن إدراكه بالبرهان؛ لأنه ليس على نسبة واحدة، وقد بسطته لنا الشريعة المحمدية الحقة، فلينظر فيها، وليرجع في أحواله إليها» (ص519). (4)
يشير ابن خلدون بهذه المناسبة إلى الفرق القائم بين علم الكلام وبين الفلسفة، إذ يقول: «التعليل بالدليل بعد أن لم يكن معلوما هو شأن الفلسفة» (ص495). وأما مهمة علم الكلام فهي البحث عن حجج عقلية لأمر كان قد ثبت بالأدلة النقلية، وذلك يعني أن الفلسفة تسعى إلى الحصول على علم عن الشيء وتعليله عن طرق عقلية. وأما علم الكلام فيتحرى الحجج على شيء تم علمه بطرق نقلية، وبتعبير آخر؛ إن الفيلسوف لا يقرر شيئا إلا بعد التفكير بالأدلة العقلية، وأما المتكلم فإنه يقرر أولا، ثم يبحث عن الدلائل المؤيدة لما قرره قبلا. «موضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الإيمانية، بعد فرضها صحيحة من الشرع، من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية؛ فترفع البدع وتزول الشكوك والشبه عن العقائد.» «إن جميع علماء الكلام يتحدون في هذه الخطة، كل واحد منهم يفرض العقائد صحيحة، ثم يستنهض الحجج والأدلة عليها» (ص461).
ولهذه الملاحظة الأساسية يرى ابن خلدون أن علم الكلام أصبح غير ضروري وإن كان مفيدا. «إن علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم؛ إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا، والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم فيما كتبوا ودونوا، والأدلة العقلية إنما احتاجوا إليها حين دافعوا ونصروا، وأما الآن فلم يبق منها إلا كلام تنزه الباري عن كثير من إيهاماته وإطلاقه. ولقد سئل الجنيد عن قوم مر بهم بعض المتكلمين يفيضون فيه، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: قوم ينزهون الله بالأدلة عن صفات الحدوث وسمات النقص. فقال: نفي العيب حيث يستحيل العيب، عيب.» «ولكن فائدته في آحاد الناس وطلبة العلم فائدة معتبرة؛ إذ لا يحسن بحامل السنة الجهل بالحجج النظرية على عقائدها» (ص467). (5)
يتكلم ابن خلدون عن أسباب الحوادث الكونية والأفعال البشرية، ويقرر أنها تتسلسل إلى أن تصل إلى مسبب الأسباب الذي هو خالق الكون.
إن كل حادث لا بد له من سبب، وهذا السبب يكون عادة حادث آخر متقدم عليه، ولهذا الحادث أيضا سبب متقدم عليه. وهكذا تتسلسل الأسباب بالتدريج إلى أن تنتهي إلى مسبب الأسباب. «إن الحوادث في عالم الكائنات - سواء كانت من الذوات أو من الأفعال البشرية أو الحيوانية - فلا بد لها من أسباب متقدمة عليها، بها تقع في مستقر العادة، وعنها يتم كونه.» «وكل واحد من هذه الأسباب أيضا حادث، فلا بد له من أسباب أخر، ولا تزال الأسباب مرتقية حتى تنتهي إلى مسبب الأسباب وموجدها وخالقها سبحانه لا إله إلا هو» (ص457). «وتلك الأسباب في ارتقائها تتفسح وتتصاعد طولا وعرضا، ويحار العقل في إدراكها وتعديدها، فإذن لا يحصرها إلا العلم المحيط، سيما الأفعال البشرية والحيوانية، فإن من جملة أسبابها في الشاهد القصود والإرادات؛ إذ لا يتم كون الفعل إلا بإرادته والقصد إليه. والقصود والإرادات أمور نفسانية ناشئة في الغالب عن تصورات سابقة يتلو بعضها بعضا، وتلك التصورات هي أسباب قصد الفعل، وقد تكون أسباب تلك التصورات تصورات أخرى. وكل ما يقع في النفس من التصورات مجهول سببه، إذ لا يطلع أحد على مبادئ الأمور النفسانية ولا ترتيبها، إنما هي أشياء يلقيها الله في الفكر يتبع بعضها بعضا، والإنسان عاجز عن معرفة مبادئها أو غاياتها، إنما يحيط علما في الغالب بالأسباب التي هي طبيعة ظاهرة، ويقع في مداركها على نظام وترتيب» (ص458).