يقرر ابن خلدون أن العقل يستطيع أن يتتبع سلسلة هذه الأسباب، ويكتشفها واحدا بعد آخر، ولكن هذا التتبع إنما يتيسر داخل نطاق العقل فقط. وأما الأسباب التي تقع خارج هذا النطاق، فلا سبيل إلى اكتشافها بالأنظار العقلية، فمن الضروري الالتجاء إلى النقل والسمع في أمرها. «فلعل الأسباب إذا تجاوزت في الارتقاء نطاق إدراكنا ووجودنا، خرجت من أن تكون مدركة، فيضل العقل في بيداء الأوهام، ويحار وينقطع.»
فإذن فإن السبيل السوي أمامنا هو «التوحيد المطلق»، والاعتراف بالعجز «عن إدراك الأسباب وكيفيات تأثيرها، وتفويض ذلك إلى خالقها المحيط بها؛ إذ لا فاعل غيره، وكلها ترتقي إليه، وترجع إلى قدرته، وعلمنا به إنما هو من حيث صدورنا عنه» (ص460). «وزد على ذلك، إن العقل عندما يتحرى سلسلة الأسباب، قد يقف في حلقة من حلقات السلسلة فيظنها منتهى الأسباب، وينكر ما وراءها، فيكون قد أنكر مسبب الأسباب؛ «فيصبح من الضالين الهالكين»» (ص459).
ثم يوالي ابن خلدون دلائله التحذيرية قائلا: «ولا تحسبن أن هذا الوقوف أو الرجوع عنه في قدرتك واختيارك، بل هو لون يحصل للنفس، وصفة تستحكم (فيها) من الخوض في الأسباب على نسبة لا نعلمها، إذ لو علمناها لتحرزنا منها. فلنتحرز من ذلك بقطع النظر عنها جملة» (ص459).
يرى ابن خلدون في هذه الملاحظات ما يوضح حكمة تحريم النظر في الأسباب. «فلذلك أمرنا الشارع بقطع النظر عنها وإلغائها جملة، والتوجه إلى مسبب الأسباب كلها وفاعلها وموجدها؛ لترسخ صفة التوحيد في النفس على ما علمنا الشارع، الذي هو أعرف بمصالح ديننا وطرق سعادتنا؛ لاطلاعه على ما وراء الحس. قال
صلى الله عليه وسلم : «من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة.» فإن وقف عند تلك الأسباب فقد انقطع وحقت عليه كلمة الكفر، وإن سبح في بحر النظر في البحث عنها وعن أسبابها، فأنا الضامن له ألا يعود إلا بالخيبة؛ فلذلك نهانا الشارع عن النظر في الأسباب، وأمرنا بالتوحيد المطلق:
قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد » (ص459). (6)
يلاحظ أن ابن خلدون كثيرا ما يشير في هذه الفقرات إلى نهي الشارع عن النظر في الأسباب على الإطلاق، ونحن نجد هنا أمرا جديرا بالبحث والاعتبار. إننا نعلم أن ابن خلدون نفسه كثيرا ما بحث عن الأسباب في كل فصل من فصول المقدمة، فإن تعبيرات؛ «السبب في ذلك»، و«سببه»، و«أما السبب في ذلك»، هي من أكثر التعبيرات المتكررة في المقدمة، فكيف يدعو ابن خلدون إلى «عدم النظر في الأسباب» في هذا المقام بعد كل تلك الأبحاث وبجانب تلك الأبحاث؟ فهل قصد من الأسباب هنا الأسباب الأصلية والبعيدة وحدها؟ أم أنه كتب هذه الفقرات - وفصل علم الكلام الذي يحتويها - بعد مرور مدة طويلة على كتابة سائر الفصول؟
إننا نميل إلى القول بأن كلا الأمرين عملا مشتركين في ما كتبه ابن خلدون في هذا المضمار؛ فإننا نجد أن أسلوب هذا الفصل أكثر نضوجا وأشد صقلا من أساليب الفصول الاعتيادية، كما أننا نستدل من سياق الكلام أنه يقصد في أبحاثه المذكورة - وفي فقراته الآنفة الذكر - الأسباب البعيدة الأصلية، لا الأسباب القريبة الاعتيادية. (7)
يتكلم ابن خلدون عن «الإيمان» أيضا، ويبدي بعض الملاحظات الطريفة في هذا الشأن.
إن التكاليف الشرعية نوعان؛ قلبية وبدنية. فالتكاليف القلبية هي الإيمان والاعتقادات، والتكاليف البدنية هي الأعمال والعبادات. «إن الشارع وصف لنا» ما يجب أن نؤمن به، «وعين أمورا مخصوصة كلفنا التصديق بها بقلوبنا، واعتقادها في أنفسنا، مع الإقرار بألسنتنا» (ص461). كما أنه عين العبادات المفروضة علينا.
ولكن مقصود الشارع ومطلوبه من الإيمان لم يكن الاعتقاد المجرد أو التصديق، بل هو «حصول صفة تتكيف بها النفس» من جراء ذلك التصديق والاعتقاد، كما أن مقصوده ومطلوبه من العبادات أيضا لم يكن العمل نفسه، والعبادة للعبادة نفسها، بل هو «حصول ملكة الطاعة والانقياد، وتفريغ القلب من شواغل ما سوى المعبود» (ص461)، من جراء المواظبة على تلك العبادات. وخلاصة القول: إن المطلوب من التكاليف كلها - سواء أكانت قلبية أم بدنية - إنما هو حصول ملكة راسخة في النفس. والكمال - عند الشارع - في كل ما كلف به، هو حصول هذه الملكة الراسخة. «فقد تبين لك من جميع ما قررناه أن المطلوب في التكاليف كلها حصول ملكة راسخة في النفس، يحصل منها علم اضطراري هو التوحيد، وهو العقيدة الإيمانية، وهو الذي تحصل به السعادة» (ص401).