تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك الأمر في الملك، فإن ابن خلدون يقرر أنه طبيعي في العمران، وأنه ضروري للبشر، ولكنه يعرف في الوقت نفسه أن علماء الدين يذكرون كثيرا من النصوص الشرعية الواردة في ذم الملك؛ ولذلك لا يتردد في تأويل تلك النصوص أيضا وفقا لما تقتضيه المحاكمات العقلية. «إن الشريعة ممتلئة بذم «الملك ومذاهبه من الاستطالة والتغلب والاستمتاع بالدنيا»، والنعي على أهله، ومرغبة في رفضه. واعلم أن الشرع لم يذم الملك لذاته، ولا حظر القيام به، وإنما ذم المفاسد الناشئة عنه، من القهر والظلم والتمتع باللذات. ولا شك أن في هذه مفاسد محظورة، وهي من توابعه. كما أثنى على العدل والنصفة، وإقامة مراسم الدين والذب عنه، وأوجب بإزائها الثواب، وهي كلها من توابع الملك. فإذن إنما وقع الذم للملك على صفة وحال دون أخرى» (ص192). «ولم يذمه (الشارع) لذاته، ولا طلب تركه - كما ذم الشهوة والغضب من المكلفين - وليس مراده تركهما بالكلية؛ لدعاية الضرورة إليها. وأما المراد تصريفهما على مقتضى الحق» (ص192).

ويكرر ابن خلدون القول بأن الشرع «لما ذم الملك لم يذم منه التغلب بالحق وقهر الكافة على الدين ومراعاة المصالح، وإنما ذمه لما فيه من الغلب بالباطل وتصريف الآدميين طوع الأغراض والشهوات». فلو كان الملك مخلصا في غلبه للناس، وأنه لله، ولحملهم على عبادة الله وجهاد عدوه، لم يكن ذلك مذموما (ص203).

يذكر ابن خلدون سببا آخر لذم الملك في صدر الإسلام:

في عهد الخلفاء الأولين «لم يجر ذكر للملك؛ لما أنه كان مظنة للباطل، ونحلة يومئذ لأهل الكفر وأعداء الدين». والصحابة كانوا يرفضون الملك وأحواله؛ حذارا من التباسها بالباطل (ص203). (3)

يقرر ابن خلدون مبدءا عاما في مقاصد الشرع في ذم بعض الأفعال البشرية أو النهي عنها، فيقول إن مراد الشريعة من ذلك لم يكن ترك الأفعال المذكورة بالكلية، أو اقتلاع النزعات التي تولد تلك الأفعال من أصولها، بل إن مرادها من ذلك هو توجيه القوى والأفعال المذكورة نحو الحق. إن كل ما ورد في الشرع من ذم الغضب والشهوة والنهي عن استكثار متاع الدنيا هو من هذا القبيل. «ليس مراد «الشرع» فيما ينهى عنه أو يذمه من أفعال البشر أو يندب إلى تركه، إهماله بالكلية، أو اقتلاعه من أصله، وتعطيل القوى التي ينشأ عليها بالكلية؛ إنما قصده تصريفها في أغراض الحق جهد الاستطاعة، حتى تصير المقاصد كلها حقا، وتتحد الوجهة» (ص202).

إن ذم الغضب في الشرع إنما هو لهذا الغرض وحده: «فلم يذم الشرع الغضب، وهو يقصد نزعه من الإنسان، فإنه لو زالت منه قوة الغضب لفقد منه الانتصار للحق، وبطل الجهاد وإعلاء كلمة الله. وإنما يذم الغضب للشيطان وللأغراض الذميمة. وإذا كان الغضب لذلك كان مذموما، وإذا كان الغضب لله وفي الله كان ممدوحا» (ص202).

وكذا الشهوات، فإن الشارع عنى بذمها أيضا معنى مماثلا لما سبق. «وكذلك ذم الشهوات أيضا ليس المراد إبطالها بالكلية، فإن من بطلت شهوته كان نقصا في حقه، وإنما المراد تصريفها فيما أبيح له باشتماله على المصالح؛ ليكون الإنسان عبدا متصرفا طور الأوامر الإلهية» (ص202-203).

وكذلك الأمر في ذم الاستكثار من الدنيا والاستمتاع بملذاتها. «وإن كان الاستكثار من الدنيا مذموما، فإنما يرجع إلى ما أشرنا إليه من الإسراف والخروج عن القصد، وإذا كان حالهم قصدا، ونفقاتهم في سبيل الحق ومذاهبه، كان ذلك الاستكثار عونا لهم على طريق الحق، واكتساب الدار الآخرة» (ص205).

يعزز ابن خلدون رأيه في هذه القضايا كلها بملاحظة جوهرية يعبر عنها بكلمة وجيزة: «إن الدنيا وأحوالها كلها مطية للأخرى، ومن فقد المطية فقد الوصول» (ص202).

ويظهر من ذلك أن الإنسان إذا أهمل دنياه؛ فلا يمكن أن يصل إلى السعادة في أخراه.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٢٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٢٠٧