ويجوز لنا أيضا ألا نستحسن الخطة التي سار عليها ابن خلدون في الإشادة بعلم الله وقدرة الله في آخر كل فصل من فصول المقدمة، غير أنه يترتب علينا ألا ننسى أبدا بأن عددا غير قليل من المفكرين في أوروبا عملوا مثل ذلك، بل عملوا أكثر من ذلك، حتى بعد كتابة مقدمة ابن خلدون بعدة قرون. كما يجب علينا أن نلاحظ في الوقت نفسه أن ابن خلدون لم يفعل ذلك تهربا من التفكير في العلل والأسباب بطرق علمية، أو تخلصا من مشاق البحث عن الدلائل العقلية؛ بل إنه سار في معظم أبحاثه سيرا عقلانيا
Rationaliste
تماما، ولم يلتجئ إلى ذكر علم الله وقدرة الله ومشيئة الله إلا بعد إتمام استدلالاته واستقراءاته بالطرق العقلية والمنطقية بوجه عام.
فنستطيع أن نقول بلا تردد: إن طرائق البحث التي اختارها وسلكها ابن خلدون في هذا المضمار أكثر قربا وأشد شبها بالخطط العلمية الحالية، من الطرائق التي اتبعها بعض المشاهير الأوروبيين الذين جاءوا بعده، مثل؛ بودن، وبوسوئه، وفيكو.
إن أسماء هؤلاء الغربيين تبدو لنا - من خلال الشذرات والمقتطفات التي نعتمد عليها ونكتفي بها عادة - متحلية بهالة زاهية من الجمال والكمال، عارية عن المآخذ والشوائب، غير أننا إذا ما خرجنا عن نطاق تلك الشذرات المحدودة ورجعنا إلى المصادر الأصلية لدرس كتابات هؤلاء دراسة تفصيلية؛ لا نلبث أن نلمح النواقص والشوائب التي تستتر وراء تلك الألوان الزاهية.
ولهذه الأسباب نجد أن مكانة ابن خلدون في عالم العلم والفكر تتعالى وتتعاظم كلما توسعنا في درس كتابات أمثاله، علاوة على تعمقنا في درس آرائه المسطورة في مقدمته الثمينة.
مراجع هذه الجولة
Paul Mongeolie-Les problémes de l’histoire. 1886.
Cérin-Ricard-Histoire de l’occultisme. 1939.
J. Bodin-les six livres de la République. 1579.
J. B. Vico-Principes de la philosophie de l’histoire, traduits de la Sceinza nuova par Michelet 1827.
R. Flint-la philosophie de l’histoire en France: Traduit par Carrau 1878.
Hérodote-Histiores-Clio. Collection Budé.
La Grande Encyclopédie Articles: Divination, Astrologie, Occultisme, sorcellerie.
| المدخل الثاني: حول مؤلف المقدمة
| مؤلف المقدمة
1
لقد اشتهر مؤلف المقدمة بين الناس وفي بيئات العلم والأدب باسم «ابن خلدون»، ولكن اسمه كان عبد الرحمن، واسم والده محمد، وأما تلقيبه بلقب «ابن خلدون» فكان بالنسبة إلى اسم أحد أجداده القدماء، وهو الجد الذي كان دخل الأندلس مع جند اليمانية، قبل ولادة مؤلف المقدمة بمدة لا تقل عن أربعة قرون.
وقد عرف المؤلف نفسه في بداية المقدمة نفسها بالعبارة التالية: «يقول العبد الفقير إلى الله تعالى الغني بلطفه عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي.»
وأما معاصروه فقد أضافوا إلى ذلك سلسلة طويلة من الأسماء، والألقاب والنعوت، مثلا: إن الوقفية المسطورة على غلاف نسخة تاريخه المهداة إلى مكتبة جامع القرويين بفاس، ذكرته بالألقاب والنعوت التالية: «قاضي القضاة ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن ابن الشيخ الإمام أبي عبد الله محمد ابن خلدون الحضرمي المالكي.»
ولا شك في أن كنية «أبو زيد» اقترنت به بالنسبة إلى اسم ابنه الأكبر، ولقب ولي الدين خلع عليه بعدما تولى منصب قاضي القضاة المالكية في مصر، كما أن نعته بالمالكي كان تمييزا له عن قضاة سائر المذاهب وعلمائها.
ومما يلفت النظر أنه نعت نفسه بالحضرمي، مشيرا بذلك إلى اتصال نسبه بقبائل حضرموت، وأما معاصروه في مصر فكثيرا ما نعتوه بالمغربي أو التونسي؛ إشارة إلى مجيئه من بلاد المغرب.
وفضلا عن ذلك كله، كان اقتران اسم ابن خلدون في بعض الكتابات والخطابات المعاصرة له ببعض الألقاب والنعوت الأخرى حسب أنواع المناصب التي تولاها في مختلف أدوار حياته، من جملة ذلك؛ الوزير، الرئيس، الحاجب، الصدر الكبير، الفقيه الجليل، علامة الأمة، إمام الأئمة، جمال الإسلام والمسلمين.