تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد ذلك يكرر ابن خلدون القاعدة ويؤكدها بقوله: «فينبغي للمعلم في متعلمه، والوالد في ولده، ألا يستبدا عليهما في التأديب» (ص540).

ثم يذكر ما قاله محمد بن أبي زيد في الكتاب الذي ألفه «في حكم المعلمين والمتعلمين»: «لا ينبغي لمؤدب الصبيان أن يزيد في ضربهم - إذا احتاجوا إليه - على ثلاثة أشواط شيئا.»

وفي الأخير يذكر ابن خلدون وصية الرشيد لمعلم ولده وينقل منها العبارة التالية: «لا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته؛ فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهما، فعليك بالشدة والغلطة» (ص541).

يعتبر ابن خلدون مضمون هذه الوصية «من أحسن مذاهب التعليم».

ومما يجدر بالملاحظة أن هذه الوصية لا تكتفي بالنهي عن الشدة، بل إنها تطلب في الوقت نفسه «عدم الإمعان في المسامحة»؛ لأنها ترى أن في الشدة إماتة للذهن، وفي المسامحة الزائدة التعويد على الفراغ والبطالة.

هذا ويقرر ابن خلدون في فصل من فصول الباب الثالث الباحث عن الدولة العامة، «أن إرهاف الحد مضر بالملك، ومفسد له على الأكثر» (ص188). ويبرهن بذلك على أن تأثير القهر والشدة لا ينحصر في أخلاق الأفراد، بل يتعداها إلى الأمم أيضا. «فإن الملك إذا كان قاهرا باطشا بالعقوبات، منقبا عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم؛ شملهم الخوف والذل، ولاذوا منه بالكذب والمكر والخديعة، وتخلقوا بها وفسدت بصائرهم» (ص188). (3)

يقرر ابن خلدون في فصل خاص «أن الرحلة في طلب العلم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعليم» (ص541)، ويشرح ذلك ويعلله كما يلي: «لأن الرحلة في طلب العلم تمكن الطالب من لقاء شيوخ كثيرين، ومن المعلوم أن لكل شيخ من مشاهير الشيوخ - سيما في البلاد المختلفة - اصطلاحات خاصة، ومنهجا خاصا، وطريقة خاصة في البحث والنظر والتعليم. فإذا خالطهم الطالب واحدا بعد آخر، وتلقن من كل واحد منهم اصطلاحاته الخاصة، واطلع على الطرائق المختلفة التي يتبعها هؤلاء المشايخ في أبحاثهم وأنظارهم؛ حصل الطالب على ملكة علمية أقوى وأتم من التي يستطيع الحصول عليها من شيخ واحد في مدينة واحدة.»

زد على ذلك أن الطالب يستطيع حينئذ أن يميز اصطلاحات العلوم من العلوم نفسها، ويتوصل بذلك إلى مرتبة أعلى من الملكات العلمية؛ ولذلك يؤكد ابن خلدون: «إن الرحلة لا بد منها في طلب العلم، واكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال» (ص541). (4)

لا يتكلم ابن خلدون في العلوم الواجب تدريسها، ولا يحاول تقرير برنامج للدروس حسب مصطلحاتنا الحالية.

ومع هذا فإنه يقرر العلوم التي يجب التوسع فيها، ويميزها من التي يجب الاقتصار على الضروري منها، إنه يميز «العلوم الآلية» من «العلوم المقصودة بالذات» - وفقا لما كان متعاهدا في زمانه - ويبين محاذير التوسع في العلوم الآلية، وذلك في فصل خاص يعنونه بالعنوان التالي: «فصل في أن العلوم الآلية لا توسع فيها الأنظار، ولا تفرع المسائل» (ص537).

يقول ابن خلدون في هذا الفصل: «إن العلوم المتعارفة بين أهل العمران صنفان: (أ)

علوم مقصودة بالذات كالشرعيات من التفسير، والحديث، والفقه، وعلم الكلام؛ وكالطبيعيات والإلهيات من الفلسفة. (ب)

وعلوم هي وسيلة آلية لهذه العلوم: كالعربية والحساب وغيرهما للشرعيات، وكالمنطق للفلسفة، وربما كان آلة لعلم الكلام ولأصول الفقه على طريقة المتأخرين» (ص537). «فإما العلوم التي هي مقاصد فلا حرج في توسعة الكلام فيها، وتفريع المسائل واستكشاف الأدلة والأنظار؛ فإن ذلك يزيد طالبها تمكنا في ملكته، وإيضاحا لمعانيها المقصودة. وأما العلوم التي هي آلة لغيرها - مثل العربية والمنطق وأمثالها - «فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة لذلك الغير فقط»، فيجب الاجتناب من توسيع الكلام وتفريع المسائل بها؛ وذلك للسببين التاليين: (أ) «لأن التوسع في العلوم الآلية يخرجها عن المقصود، إذ المقصود منها ما هو إلا الاستفادة منها كآلة لا غير.»

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ١٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ١٩١