تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن العلوم المذكورة كثيرة الفروع والمباحث، غير أن قسما كبيرا من تلك المباحث مما لا حاجة إليها في العلوم المقصودة، فالاشتغال بها يكون من نوع اللغو.» (ب)

زد على ذلك، فإن التوسع في العلوم الآلية يضيع أوقات الطلاب، ولم يترك أمامهم مجالا كافيا «لتحصيل العلوم المقصودة بالذات، مع أن شأنها أهم.»

فعلى المعلمين «أن يهتموا بالعلوم المقصودة أكثر من اهتمامهم بوسائلها»، فإنهم «إذا قطعوا العمر في تحصيل الوسائل»؛ لا يجدون متسعا من الوقت «للظفر بالمقاصد» (ص537). «لأن العمر يقصر عن تحصيل جميع هذه العلوم على هذه الصورة، فيكون الاشتغال بهذه العلوم الآلية تضييعا للعمر، وشغلا بما لا يغني.»

ولذلك ينتقد ابن خلدون التقاليد السائدة في زمانه في هذا الصدد انتقادا شديدا: «هذا كما فعل المتأخرون في صناعة النحو وصناعة المنطق وأصول الفقه؛ لأنهم أوسعوا دائرة الكلام فيها، وأكثروا من التفاريع والاستدلالات بما أخرجها على كونها آلة، وصيرها من المقاصد.»

ولذلك يقرر أنه «يجب على المعلمين لهذه العلوم الآلية ألا يستبحروا في شأنها»، وينبهوا المتعلم إلى الغرض منها، ويقفوا به «عند ذلك الغرض».

يقول ابن خلدون ذلك بالنسبة إلى طلبة العلم بوجه عام، ولكنه لا ينهى عن التخصص في تلك العلوم، وعن التوغل في فروعها لجماعة من العلماء؛ لأنه يقول بعد ذلك: «فمن نزعت به همته بعد ذلك إلى شيء من التوغل، فليرق له ما شاء من المراقي، صعبا أو سهلا» (ص537).

3

إن الطرائق والقواعد التي ذكرناها إلى الآن تعود إلى «تعليم العلوم» بوجه عام، فلا تختص بعلم من العلوم بوجه خاص.

فإن ابن خلدون لا يبحث عن القواعد الخاصة التي تجب مراعاتها في تعليم كل علم على حدة، إلا في موضوع واحد هو موضوع «اللسان المصري». إنه يشرح الطريقة التي يجب اتباعها لتعليم «اللسان المضري» في فصل خاص (ص59)، ثم يوسع ويوضح الملاحظات التي يبديها في الفصل المذكور في عدة فصول أخرى: (1)

إن ما نسميه نحو اليوم باسم «اللغة الفصحى» كان يسميه ابن خلدون في مقدمته باسم «لسان العرب»، و«اللسان العربي»، أو «لغة مضر»، أو «اللسان المضري»، وقد سماه مرة «اللسان المدون» (ص56) أيضا. وأما ما نسميه اليوم باسم «اللغة العامية» فكان يشير إليها ابن خلدون بتعبير «لغة الأمصار» بالنسبة إلى الحضر، و«لغة الجيل» أو «لغة العرب لهذا العهد» بالنسبة إلى البدو.

يقول ابن خلدون: «إن اللسان المدون يختلف عن اللسان الدارج في الإعراب وفي كثير من الموضوعات اللغوية وفي بناء الكلمات» (ص558). غير أنه يقرر في الوقت نفسه أن الفارق الأساسي الذي يميز الثاني من الأول إنما هو وجود أو عدم وجود الإعراب في أواخر الكلم. (2)

ثم إنه يبين العامل الأصلي الذي استوجب الاهتمام بلغة مضر، وأدى إلى تمسك الأدباء والعلماء بها؛ لأن القرآن نزل بلغة مضر، والحديث النبوي نقل فيه، فأصبحت معرفة هذه اللغة ضرورية لفهم «كتاب الله وسنة رسوله»، ومن المعلوم أنهما «أصلا الدين والملة» (ص556).

إن لغة مضر هذه كانت - فيما مضى - دارجة عند القوم؛ إذ إنها كانت لغة التخاطب فيما بينهم. إنها كانت «ملكة في ألسنتهم، يأخذها الآخر عن الأول، كما تأخذ صبياننا لهذا العهد لغاتنا» (ص546).

غير أن الأحوال تبدلت بعد ظهور الإسلام تبدلا كليا: «لما جاء الإسلام وفارقوا الحجاز لطلب الملك الذي كان في أيدي الأمم والدول» (ص546)، واستولوا «على ممالك العراق والشام ومصر والمغرب» (ص551)، وخالطوا الأمم في هذه البلاد المفتوحة؛ تغيرت ملكة اللسان المضري وفسدت؛ فتكونت في الأمصار والبوادي لغات جديدة تختلف عن «لغة مضر» الذي نزل بها القرآن في الإعراب، وفي كثير من الموضوعات «اللغوية وبناء الكلمات» (ص582)؛ فأصبحت لغة مضر مما لا يمكن اكتسابها بالمعاشرة والمخالطة والمباشرة، وصارت مما يفتقر إلى تعليم خاص. (3)

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ١٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ١٩٢