تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

De Bonald

ودومستر

De Maistre - كانوا من دعاة «الحكم الديني»، فاعترضوا بشدة على جميع الفلسفات التي تعتمد على العقل والحواس، وقالوا إن الإنسان لا يمكن أن يعرف الحقيقة إلا عن طريق الوحي والإيمان، فحاولوا أن يستخرجوا فلسفة التاريخ من الكتب المنزلة. وزعموا أن النكبات التي تحل بالبشرية ما هي إلا عقوبات من الله على الزلة الأولى، كما ذهبوا إلى أن الله جعل «الدماء والحروب» شرطا من شروط الغفران.

وذلك في أوائل القرن التاسع عشر للميلاد! (5) موقف ابن خلدون من هذه الأمور

بعد هذه الجولة السريعة التي قمنا بها بين التواريخ والمؤرخين، وهذه النظرة العامة التي ألقيناها على دور الكهانة والنجامة والسحر في التاريخ، نستطيع أن نعود إلى المسألة التي سردناها في مستهل هذه الأبحاث، فنتساءل مرة أخرى: هل يحق لنا أن نعتبر الآراء والأبحاث التي وردت في مقدمة ابن خلدون حول هذه الأمور منافية لمنزلته العلمية، وهادمة لمكانته الفكرية؟

لا شك في أن الجواب المنطقي الذي يجب أن يعطى على هذا السؤال - بعد الاطلاع على التفاصيل والأمثلة التي ذكرناها آنفا - سيكون «كلا» بوجه بات.

فإن أخبار الكهانات والخرافات التي ملأت تاريخ هرودوت لم تحل دون اعتبار هذا المؤرخ من أعاظم البشرية، ولم تمنع تلقيبه بلقب «أبو التاريخ»، فكيف يجوز لأحد أن ينكر على ابن خلدون «منزلته العلمية» من جراء تطرقه إلى مسائل الكهانة، على الرغم من عمق الآراء التي أبداها في سائر أقسام المقدمة؟

إن أبحاث «النجامة» التي شغلت حيزا خطيرا في «جمهورية بودن»، لم تمنع الأوروبيين من اعتبار هذا الرجل من أكابر المفكرين، ومن إدخاله في عداد «مؤسسي فلسفة التاريخ»، فكيف يجوز لأحد أن يتردد في التسليم بعبقرية ابن خلدون الفكرية، بحجة اعتقاده بالنجامة، على الرغم من النزعة العلمية التي أظهرها في مختلف أبحاث المقدمة؟

إن يد الله أو الآلهة التي كثيرا ما تذكر في مؤلفات هرودوت وبوسوئه وفيكو وأمثالهم الكثيرين، لم تعتبر «حاطة» من منزلتهم الفكرية، فكيف يجوز لأحد أن ينكر على ابن خلدون مكانته العلمية، لمجرد رجوعه إلى علم الله وقدرة الله في نهاية كل بحث من أبحاثه المختلفة، على الرغم من توسعه في درس الحوادث الاجتماعية، وتعمقه في إظهار عواملها الطبيعية؟!

ومما تجب ملاحظته في هذا الصدد بوجه خاص أن ابن خلدون لم يمزج وقائع التاريخ بأخبار الكهانة كما فعل «أبو التاريخ»، ولم يحاول تفسير التاريخ بتأثيرات النجوم كما فعل جان بودن، كما أنه لم يكتف برد عوامل التاريخ إلى مشيئة الله كما فعل بوسوئه، ولا حاول اتخاذ التاريخ وسيلة لإثبات قدرة الله كما فعل «فيكو». مع أنه كتب ما كتبه في هذا الصدد قبل جان بودن بمدة تناهز القرنين، وقبل بوسوئه بمدة تزيد على ثلاثة قرون، وقبل فيكو بمدة تقرب من ثلاثة قرون ونصف قرن، ومع أن هذه القرون التي أعقبت حياة ابن خلدون، كانت من أهم أدوار الانقلاب وأسرع عهود التقدم في التاريخ البشري.

لا شك في أنه يحق لنا أن ننتقد ابن خلدون على ذكره الشيطان والشياطين في عدة محلات من مقدمته، وعلى بحثه عن السحر بشيء من التفصيل في بعض الفصول من هذه المقدمة، غير أنه يترتب علينا ألا ننسى أبدا أن ابن خلدون كتب ذلك في عهد كان رجال الحكم والدين في أوروبا يقدمون على إحراق المئات بل الآلاف من المرضى والسحرة؛ بقصد التخلص من شرور الشياطين المستولين على أبدان هؤلاء المرضى، والمسيطرين على أرواح هؤلاء السحرة، كما يجب علينا أن نتذكر دائما بأن عددا غير قليل من العلماء والمفكرين الأوروبيين ظلوا يعتقدون بالسحر ويحبذون إحراق السحرة، ولا يحجمون عن نشر المؤلفات في هذه المواضيع، حتى بعد مضي مدة تناهز القرنين على وفاة ابن خلدون!

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ١٨