إن هرودوت لم يكن منفردا في هذه النزعة الفكرية بين المؤرخين القدماء، بل إن المؤرخ المشهور «فلوروس»
Florus
أيضا كان يعزو كثيرا من الوقائع التاريخية إلى أعمال الآلهة ومداخلاتها، فهو حينما يذكر - مثلا - تفاصيل الحروب التي نشبت بين روما وبين «حنيبعل»
Annibal
لا يشك في مساعدة الآلهة للرومان، فيقول: «بعد موقعة كان، لو مشى حنيبعل على روما مباشرة؛ لأزالها من عالم الوجود حتما، ولكن الآلهة - التي كانت تعادي القرطاجيين دائما - حملته على التباعد عن عاصمة الرومان، وكذلك بعد موقعة «كابووا» أيضا، حينما بدأ حنيبعل زحفه على روما، أوقفته الآلهة عن السير في هذا الاتجاه للمرة الثانية ؛ فإن الأمطار سقطت بغزارة عجيبة، والرياح عصفت بشدة غريبة، فلم يتمكن حنيبعل من الاستمرار في الزحف، ولا شك في أن هذه العاصفة كانت قد حدثت بمشيئة الآلهة التي قصدت صد العدو المهاجم عن المدينة، حتى إنه كان يخيل للمرء أن هذه العاصفة لم تأت من السماء، بل تدفقت من أسوار روما وأجواء الكابيتول. وعلى كل حال، فقد اضطر حنيبعل إلى التباعد عن روما من جراء معاكسة هذه العواصف الخارقة للعادة.»
إن المؤرخ المذكور يقول كذلك في صدد البحث عن استيلاء الغاليين على روما: «أعتقد بأن النكبات التي حلت بروما عندئذ، كأن الآلهة قد أرسلتها بقصد امتحان الرومان؛ لمعرفة ما إذا كانوا يستحقون سلطنة العالم أم لا يستحقونها.»
إن نزعة الالتجاء إلى مشيئة الله في تعليل الوقائع التاريخية سادت على أقلام مفكري المسيحية ومؤرخيها أيضا في القرون الوسطى وفي عصر الانبعاث.
إن «القديس أوغسطين»
Saint Augustin
الذي عاش في القرن الرابع للميلاد، انتقد مؤرخي الوثنية بأسلوب لاذع متهكم من جراء نزعتهم هذه، ومع هذا لم يتمكن من تخليص نفسه من النزعة المذكورة؛ فقد كتب هو بدوره في كتابه «مدينة الله» ما يلي: «إن الله أعطى السلطنة إلى الرومان عندما شاء، وبالعظمة التي شاء أن تكون عليها، وهو الذي أعطى السلطنة قبل ذلك إلى الآثوريين، وكذلك إلى الفرس.»
وأما «بوسوئه»
Bossuet
الذي نشر خطبه المشهورة في التاريخ العام سنة 1680، فقد استسلم إلى هذه النزعة استسلاما، ووجه جميع جهوده إلى إظهار «عمل الله» في التاريخ، فقد قال فيما قاله: «إن الله يمسك بيده من فوق السماوات زمام جميع الممالك وجميع القلوب، فهو يشد عليها تارة، ويرخي العنان لها طورا، وبهذه الصورة، يسوق ويسير الجنس البشري بأجمعه.»
وقد عزا بوسوئه إلى معظم الأقوام القديمة رسالات خاصة لتنفيذ مشيئة الله في شعبه المختار، إن شعب الله المختار حسب خطب بوسوئه، هم بنو إسرائيل، إن الله استخدم البابليين والآثوريين لتأديب هذا الشعب، كما استخدم الفرس لبعثه وإعادة كيانه، واستخدم إسكندر الكبير وخلفاءه لحمايته، وخص الرومان بمهمة الدفاع عن حريته .
إن النزعة التي نحن بصددها تتجلى بوضوح من خلال بعض المؤلفات التي نشرت في القرن الثامن عشر أيضا، لعل أهم النماذج لذلك هو «العلم الجديد» الذي نشر بقلم «جان باتيستا فيكو» في أواسط القرن المذكور، لقد قال فيكو في كتابه هذا: «إن العلم الجديد لاهوت اجتماعي، يبرهن على القدرة الصمدانية بالوقائع التاريخية.»
وقال أيضا: «إن العقل يأخذ نور الحقيقة الأزلية من الله، فكل علم إنما يأتي من الله، ويرجع إلى الله، وهو من الله.»
هذا مع العلم بأن فيكو كثيرا ما يلقب بلقب «مؤسس فلسفة التاريخ».
إن نزعة الرجوع إلى الله في تعليل التاريخ تجلت حتى في بعض المؤلفات التي نشرت في أوائل القرن التاسع عشر أيضا.
فقد نشأ في فرنسا - بعد الثورة الكبرى - مذهب جديد في فلسفة التاريخ عرف باسم المذهب التيوقراطي
L’école théoeratique .
إن رجال هذا المذهب - وأشهرهم دوبونالد