يظهر من ذلك أن وقائع إحراق السحرة لم تنقطع بانتهاء القرون الوسطى، بل استمرت بشدة خلال القرن السادس عشر، كما أنها حدثت من حين إلى حين خلال القرن السابع عشر، حتى إن التاريخ يسجل عدة قضايا من هذا القبيل، حدثت خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر أيضا.
ففي سنة 1750 حاكم بارلمان بروفانس في فرنسا راهبا يدعى جيرار بتهمة السحر، والراهب المذكور لم ينج من الإحراق إلا لانقسام آراء القضاة إلى قسمين متساويين.
ولكن في السنة نفسها اتهمت الراهبة ماريا بندا بالسحر؛ فجز رأسها وأحرق بدنها؛ تنفيذا للقرار الذي صدر بشأنها بعد محاكمتها.
هذا وقد حدثت عدة وقائع أدت إلى قتل الأشخاص المتهمين بالسحر بلا محاكمة رسمية بعد التاريخ الآنف الذكر أيضا؛ يذكرون مثلا أن صيادي الأسماك في جزيرة هيلا قتلوا امرأة متهمة بالسحر بإلقائها في لجة البحر؛ لمعرفة ما إذا كانت بريئة أم مجرمة، وذلك سنة 1836.
ومما يستلفت النظر بوجه خاص أن عدة مؤلفين أقدموا على تأليف الكتب المفصلة في السحرة والشياطين.
إن أهم وأشهر هذه المؤلفات هو الكتاب الذي نشره «اسبرنجر»
Sprenger
سنة 1489، يتألف الكتاب من ثلاثة أقسام، والقسم الثالث منه يتضمن «أصول التحقيق والمحاكمة» في قضايا السحر. لقد اكتسب هذا الكتاب شهرة كبيرة، وأصبح دستورا لعمل الحكام مدة طويلة في مختلف الأقطار الأوروبية.
ومن المؤلفات الغريبة التي صدرت في هذا الشأن، الكتاب الذي طبعه «جان فيير»
Jean Vier
سنة 1568 في مدينة بازل في سويسرا، لقد أحصى المؤلف في كتابه هذا عدد الشياطين، وشرح أنواعهم، وذكر أسماء بعضهم، وفصل أعمالهم. يظهر مما جاء في هذا الكتاب أن عدد الشياطين - على زعم المؤلف - يبلغ 7405926، منهم 172 من صنف الأمراء، والبقية من الرعايا، ينقسم هؤلاء إلى 1111 فرقة، وتتألف كل فرقة منها من 6666 شيطانا! •••
إن الاعتقاد بالسحر سيطر على أذهان الكثيرين من العلماء الذين نبغوا في القرون الوسطى، بل في عهد الانبعاث أيضا.
وقد كان بينهم الرياضيون والفلاسفة والأطباء والمؤرخون.
إننا لا نرى لزوما لاستعراض أسماء هؤلاء، ولكننا نرى من الضروري أن نذكر من بينهم المؤرخ المفكر جان بودن بوجه خاص، إن هذا المؤرخ المتفلسف - الذي سبق أن أشرنا إلى آرائه في النجامة - كان من المعتقدين بالسحرة والشياطين ، ومن القائلين بوجوب تعقب السحرة وإحراقهم.
فقد ذكر جان بودن في كتابه المشهور «الجمهورية» أن الموسيقى تطرد الشياطين، كما ألف ونشر عدة كتب للبرهنة على صحة وقائع السحر، ولتبرير محاكمات السحرة المعتادة في عصره، وذلك في النصف الأخير من القرن السادس عشر للميلاد. (4) التاريخ ومشيئة الله
إن معظم المؤرخين في القرون الأولى والوسطى أدخلوا «يد الله» في الوقائع التاريخية كعامل ومؤثر مباشر، والتجئوا «إلى قدرته ومشيئته وعنايته» في تفسير التاريخ، من غير أن يبحثوا عن العلل والأسباب الطبيعية أبدا.
هذا أبو التاريخ هرودوت يذكر أعمال الآلهة بين الوقائع التاريخية، ويشرح بتفصيل كيف أنهم ينصرون فئة على فئة، وكيف أنهم يتخاصمون فيما بينهم أيضا في بعض الأحوال.
حينما يبدأ هرودوت قصة قره زوس، يقول: «لا شك في أن النكبات التي حلت بهذا الملك كانت نقمة من الآلهة؛ لأنه كان قد اغتر غرورا شديدا، وأخذ يرى نفسه أسعد خلق الله على الإطلاق.»
وحينما يشرح الحروب التي حدثت بين اليونان وبين الفرس يرجع معظم الوقائع إلى مداخلة الآلهة، ويزعم بأنها نصرت اليونان على أعدائها في كل صفحة من صفحات الحرب التي دارت رحاها بين الشعبين، فمثلا حينما يذكر العاصفة الهائلة التي فاجأت الأسطول الفارسي وأتلفت قسما كبيرا من سفنه، لا يتردد في القول بأن كل ذلك حدث بمساعدة الآلهة؛ لكيلا يبقى الأسطول الفارسي متفوقا على الأسطول اليوناني تفوقا عظيما.