غير أننا نلاحظ أن ابن خلدون نفسه كتب في عدة فصول من المقدمة ما يناقض هذه النظرية، أو ما يصححها ويكملها: (أ)
يقول ابن خلدون في الفصل الذي يقرر أنه «إذا تحكمت طبيعة الملك من الانفراد بالمجد وحصول الترف والدعة؛ أقبلت الدولة على الهرم» (ص168-170): «ربما يحدث في الدولة إذا طرقها الهرم بالترف والراحة، أن يتخير صاحب الدولة أنصارا وشيعة من غير جلدتهم، ممن تعود الخشونة، فيتخذهم جندا يكون أصبر على الحرب وأقدر على معاناة الشدائد من الجوع والشظف، ويكون ذلك دواء للدولة من الهرم الذي عساه أن يطرقها» (ص169).
ثم يستشهد على ذلك ببعض الأمثلة التاريخية، وبعد ذلك يختتم الفصل المذكور بقوله: «فتستجد الدولة بذلك عمرا آخر سالما من الهرم» (ص170).
إن العبارة الأخيرة يجب أن تستوقف الأنظار؛ إذ من الواضح أن «العمر الآخر» إذا انضم إلى العمر الأول يؤدي إلى إطالة عمر الدولة فيجعله أطول من المدة المقررة في النظرية الأصلية.
نحن نلمح في هذه العبارة رأيا لابن خلدون مكملا ومصححا لرأيه المسرود في النظرية الآنفة الذكر. (ب)
يشير ابن خلدون في أحد الفصول الناقصة في طبعات البلاد العربية - وهو الفصل المتعلق باتساع نطاق الدولة - إلى إمكان تجديد الدولة: «يضيق نطاق الدولة عما كانت انتهت إليه في أولها، وترجع العناية في تدبيرها بنطاق دونه، إلى أن يحدث في النطاق الثاني ما حدث في الأول بعينه، فيذهب القائم بالدولة إلى تغيير القوانين التي كانت عليها سياسة الدولة.» «إن كل واحد من هؤلاء المغيرين للقوانين قبلهم كأنهم منشئون دولة أخرى ومجددون» (طبعة كاترمير، ج2، ص155).
ومن الواضح أن «تجديد الملك» الذي يكون بمثابة «إنشاء دولة أخرى» يتضمن إكساب الدولة عمرا جديدا. (ج)
يقول ابن خلدون في فصل طروق الخلل للدولة - حينما يتكلم عن انقسام الدولة: «تضعف الدولة المنقسمة كلها، وربما طال أمدها بعد ذلك، فتستغني عن العصبية بما حصل لها من الصبغة في نفوس أهل أيالتها، وهي صبغة الانقياد والتسليم منذ السنين الطويلة التي لا يعقل أحد من الأجيال مبدأها ولا أوليتها، فلا يعقلون إلا التسليم لصاحب الدولة» (ص296).
يلاحظ أن ابن خلدون يقرر هنا إمكان طول أمد الدولة عند استغنائها عن العصبية، ويشير إلى السنين الطويلة التي لا يعقل أحد من الأجيال مبدأها ولا أوليتها. من البديهي أن هذه العبارات لا يمكن أن تنصرف إلى المدة المقررة في فصل عمر الدولة. (د)
يعطينا ابن خلدون دستورا صريحا لتعيين «أمد الدولة» في الفصل الذي يقرر أن «عظم الدولة واتساع نطاقها وطول أمدها على نسبة القائمين بها في القلة والكثرة» (ص163-164)، وهذا الدستور لا يتفق مع المائة والعشرين سنة المذكورة في فصل عمر الدولة.
يوضح ابن خلدون رأيه في هذا الصدد كما يلي: «أما طول أمدها أيضا فعلى تلك النسبة (أي على نسبة القائمين بها في القلة والكثرة)؛ لأن عمر الحادث من قوة مزاجه، ومزاج الدول إنما هو بالعصبية، فإذا كانت العصبية قوية؛ كان المزاج تابعا لها، وكان أمد العمر طويلا. والعصبية إنما هي بكثرة العدد ووفوره كما قلناه» (ص163).
ثم يزيد ذلك إيضاحا وتعليلا بقوله: «والسبب الصحيح في ذلك أن النقص إنما يبدو في الدولة من الأطراف، فإذا كانت ممالكها كثيرة؛ كانت أطرافها بعيدة عن مركزها وكثيرة، وكل نقص يقع لا بد له من زمن. فتكثر أزمان النقص لكثرة الممالك واختصاص كل واحد منها بنقص وزمان، فيكون أمدها طويلا. وانظر ذلك في دولة العرب الإسلامية كيف كان أمدها أطول، لا بنو العباس أهل المركز، ولا بنو أمية المستبدون في الأندلس، لم ينقص أمر جميعهم إلا بعد الأربعمائة من الهجرة، ودولة العبيدين كان أمدها قريبا من مائتين وثمانين سنة، ودولة الموحدين لهذا العهد تناهز مائتين وسبعين» (ص164).