إن هذه الأجيال الأربعة بمثابة الباني، والمباشر، والمقلد، والهادم (ص137). (2)
بما أن ابن خلدون كان يقول بصحة نظرية الحسب هذه بالنسبة إلى جميع أنواع البيوت - بما فيها البيوت المالكة - وبما أنه كان يعتقد في الوقت نفسه أن الدول تقوم - بوجه عام - على عواتق البيوت المالكة؛ كان من الطبيعي أن يطبق أسس هذه النظرية على حياة الدول أيضا.
فإنه يقرر في فصل من فصول الباب الثالث «أن الدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص» (ص170-171)، ويذهب إلى «أن عمر الدولة لا يعدو في الغالب ثلاثة أجيال»، ويشرح رأيه هذا، ويعلله كما يلي: «لأن الجيل الأول لم يزالوا على خلق البداوة وخشونتها ووحشتها، من شظف العيش والبسالة والافتراس والاشتراك في المجد، فلا تزال بذلك سورة العصبية محفوظة فيهم، فحدهم مرهف وجانبهم مرهوب والناس لهم مغلوبون.»
وأما الجيل الثاني فقد «تحول حالهم بالملك والترفه من البداوة إلى الحضارة، ومن الشظف إلى الترف والخصب، ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد وكسل الباقين عن السعي فيه، ومن عز الاستطالة إلى ذل الاستكانة، فتنكسر سورة العصبية بعض الشيء، وتؤنس منهم المهانة والخضوع»، ومع هذا «يبقى لهم الكثير من ذلك، بما أدركوا من الجيل الأول وباشروا أحوالهم وشاهدوا اعتزازهم وسعيهم إلى المجد، ومراميهم في المدافعة والحماية؛ فلا يسعهم ترك ذلك بالكلية وإن ذهب منه ما ذهب» (ص170-171).
زد على ذلك أنهم «يكونون على رجاء من مراجعة الأحوال التي كانت للجيل الأول، أو على ظن من وجودها فيهم» (ص171). «أما الجيل الثالث، فينسون عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن، ويفقدون حلاوة العز والعصبية بما هم فيه من ملكة القهر، ويبلغ فيهم الترف غايته بما يتبنقوه من النعيم وغضارة العيش، فيصيرون عالة على الدولة، ويفقدون «العصبية بالجملة، وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة». في الواقع إنهم يحاولون التظاهر بمظهر القوة؛ «يلبسون على الناس في الشارة والزي وركوب الخيل، وحسن الثقافة، يموهون بها، وهم في الأكثر أجبن من النساء على ظهورها.» «فإذا جاء المطالب لهم» - أي إذا قام قائم عليهم - «لم يقاوموا مدافعته»، فيحتاج صاحب الدولة حينئذ إلى الاستظهار بسواهم من أهل النجدة، ويستكثر بالموالي، ويصطنع من يغني عن «أهل» الدولة بعض الغناء ، حتى يتأذن الله بانقراضها؛ فتذهب الدولة بما حملت. «هذه ثلاثة أجيال، فيها يكون هرم الدولة وتخلقها؛ ولهذا كان انقراض الحسب في الجيل الرابع، كما مر من أن المجد والحسب إنما هو أربعة آباء.»
إن عمر هذه الأجيال الثلاثة يبلغ مائة وعشرين سنة على وجه التقريب، «ولا تعدو الدول في الغالب هذا العمر، إلا إن عرض لها عارض آخر من فقدان المطالب»، وفي هذه الحالة يكون الهرم حاصلا ومستوليا، والطالب لم يحضرها، ولو قد جاء الطالب لما وجد مدافعا، ولانقرضت الدولة وزالت من عالم الوجود.
إن «هذا العمر للدولة بمثابة عمر الشخص، من التزيد إلى سن الوقوف، ثم إلى سن الرجوع؛ ولهذا يجري على ألسنة الناس في المشهور أن عمر الدولة مائة سنة» (ص171). (3)
لا مجال للإنكار أن الآراء التي يسردها ابن خلدون في هذا الصدد - والنظرية التي يضعها على هذا المنوال - طريفة وممتعة جدا، زد على ذلك أنها تنطوي على نظرة فلسفية أيضا؛ لأنها تقرر أن الدولة كائن حي، يتطور على الدوام وفق نظام ثابت، كما تتطور جميع الكائنات الحية.
غير أن هذه النظرية - على الرغم من طرافتها - لا تنطبق على الحقائق الواقعة كثيرا؛ لأنها تحصر الحسب عادة في أربعة آباء، وتقول بانقراض الدولة في الجيل الرابع، وتقرر أن عمر الدولة يكون في الغالب مائة وعشرين سنة. ومن الواضح أن كل ذلك مما لا ينطبق إلا على بعض الدويلات البدوية وملوك الطوائف الصغيرة، وأما الدول الكبيرة، فتواريخها لا تؤيد أبدا النتائج التي يتوصل إليها ابن خلدون في نظريته هذه.