تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الأخير يكرر ابن خلدون القاعدة التي وضعها في هذا الصدد بصراحة تامة: «وهكذا نسب الدولة في أعمارها على نسبة القائمين بها، سنة الله قد خلت في عباده» (ص164).

يلاحظ أن ابن خلدون يتباعد هنا عن مبدأ الأجيال الثلاثة أو الأربعة، وعن مدة المائة والعشرين سنة تباعدا كبيرا. (4)

إن الباحثين الذين درسوا نظريات ابن خلدون تكلموا كثيرا عما دونه في فصل عمر الدولة، ولكنهم قلما لاحظوا ما جاء حول هذا الموضوع في الفصول الأخرى.

إن الفرق بين أحكام الفصل المذكور وبين مقتضيات تلك الفصول كبير جدا، فيجدر بنا أن نتساءل: هل يجب علينا أن نعتبر الآراء الأخيرة مناقضة للأولى؟ أم يجب علينا أن نعتبرها متممة ومكملة لها؟ إننا نميل إلى ترجيح الشق الثاني؛ فإن النظرية التي وضعها ابن خلدون عن عمر الدولة، إنما تستند إلى ملاحظاته حول تطور أحوال العصبية بتوالي الأجيال. وبما أن ابن خلدون يقرر مبدئيا «أن الدولة قد تستغني عن العصبية، فإن الدولة التي تصل إلى طور الاستغناء عن العصبية يجب أن تخرج عن مصداق نظرية العمر التي ذكرناها.

فيحق لنا أن نقول: إن النظرية الأولى - أي نظرية العمر - تتعلق بالدول العادية، وأما النظرية الأخيرة - أي نظرية الأمد - فتحوم حول أحوال «الدول العامة»، و«الدول المتسعة النطاق»، كما يحق لنا أن نقول لذلك: إن ابن خلدون نفسه قد صحح وكمل نظريته الأولى بنظريته الأخيرة.

ولكن هل كتب ابن خلدون هذه الفصول المختلفة منذ البداية، ووضع هاتين النظريتين في وقت واحد؟ أم أنه توصل إلى الأخيرة بعد مرور مدة على توصله إلى الأولى؟ إننا لا نجد مجالا للإجابة على هذا السؤال ما لم ندرس نسخ المقدمة ونقارنها - على طريقة النقد الخارجي - وفقا للخطة التي كنا رسمناها في الدراسة التي كتبناها عن تاريخ كتابة المقدمة. (3) أطوار الدولة

يعرض ابن خلدون نظريته في تطور الدول من وجهة الأحوال العامة والأخلاق - بصورة مجملة - في فصل خاص من فصول الباب الثالث؛ هو فصل «أطوار الدولة واختلاف أحوالها وخلق أهلها باختلاف الأطوار» (ص175)، ولكنه يتكلم - قبل هذا الفصل الإجمالي العام - عن كل طور من تلك الأطوار، وكل حالة من تلك الأحوال، في فصل خاص، أو في عدة فصول.

مثلا إن الفصل الذي يقرر «أن من طبيعة الملك الانفراد بالمجد» (ص161)، إنما يشرح - في حقيقة الأمر - طورا من أطوار الدولة، هو الطور الذي ينعت في الفصل الإجمالي المذكور باسم «الطور الثاني». وأما الفصول الثلاثة التي تلي ذلك، والتي تقرر «أن من طبيعة الملك الترف» (ص167)، وأن «من طبيعة الملك الدعة والسكون» (ص167)، و«أنه إذا تحكمت طبيعة الملك من الانفراد بالمجد وحصول الترف والدعة؛ أقبلت الدولة على الهرم» (ص167)؛ «فهي تشرح وتعلل الأحوال التي ترافق الطور المذكور. فهذه الفصول الأربعة يجب أن تقرأ ككل، ويجب ألا يغرب عن البال أن فصل الأطوار يستند - في حقيقة الأمر - إلى أبحاث هذه الفصول الأربعة، ويلخصها نوعا ما.

وأما الفصول التي تقرر «أن الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك» (ص139)، و«أن الملك والدولة العامة إنما يحصلان بالقبيل والعصبية» (ص154)، و«أن من عوائق الملك حصول الترف وانغماس القبيل في النعيم» (ص140)، و«أن من علامات الملك التنافس في الخلال الحميدة» (ص142)؛ فكلها تشرح الطور الأول من الأطوار المذكورة، وهو الطور الذي يسميه ابن خلدون باسم «طور الظفر بالبغية».

وأما مباحث الفصول التي تقرر «أن الدولة لها أعمار كما للأشخاص» (ص170)، و«أن الترف يزيد الدولة في أولها قوة على قوتها» (ص174)، والتي تشرح كيفية «انتقال الدولة من البداوة إلى الحضارة» (ص172)، و«استظهار صاحب الدولة على قومه وأهل عصبيته بالموالي والمصطنعين» (ص183)؛ كلها تمت بصلة قوية لهذا الموضوع، وتتمم نظرية ابن خلدون في أطوار الدولة.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ١٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ١٥٢