ولعل أغرب الأمثلة لمثل هذه الأخبار والكهانات هو ما رواه المؤرخ الإسباني «بولس أوروزيوس
Paulus Orosius »، الذي عاش في القرن الخامس، والذي يعد من أعظم تلامذة القديس أوغسطين، فقد روى المؤرخ المذكور الحادثة التالية وفسرها كما يلي: «لقد تفجرت في سنة ولادة المسيح عين زيت في دكان رجل فقير في مدينة روما، وسال الزيت من العين المذكورة بغزارة يوما كاملا.» لا يشك المؤرخ أوروزيوس بأن هذا الحادث العجيب كان يشير إلى مجيء المسيح؛ «لأن الزيت هو مادة الدهون النصرانية، وأما حدوث الحادث في دكان رجل فقير فكان يدل أن كنيسة المسيح ستحتضن الفقراء والأغنياء، العبيد والأسياد، على حد سواء.» (2) التاريخ والنجامة
إن الاعتقاد بتأثير النجوم وسائر الأجرام السماوية في الحوادث الكونية والمقدرات البشرية سيطر على أذهان العوام والمفكرين على حد سواء، منذ القرون الأولى حتى أواخر القرن السابع عشر، وقد ظل مسيطرا على أذهان الناس في كثير من البلاد الأوروبية حتى خلال القرن الثامن عشر نفسه.
إن هذا الاعتقاد القديم ولد نوعا خاصا من الكهانة عرفت باسم «النجامة» أو «التنجيم»، وهي ترمي إلى الكشف «عما سيحدث في المستقبل» بملاحظة حركات النجوم وأوضاعها المختلفة.
فقد زعم المنجمون أن كل واحد من الكواكب الثابتة والسيارة، وكل مجموعة من مجموعات النجوم المسماة باسم «البروج» يمتاز بنوع خاص من التأثير على مقدرات الإنسان، ولذلك صاروا يرصدون حركات النجوم، ويتتبعون حركاتها المختلفة؛ لمعرفة ما سيحدث من الشئون من جهة في حياة الدول والأمم، ومن جهة أخرى في حياة الأشخاص الذين يولدون في كل دقيقة وساعة من كل يوم.
نشأت النجامة وترعرعت في معابد الكلدان، ثم انتقلت بواسطتهم إلى اليونان فالرومان.
وقد وجدت النجامة لنفسها أرضا خصبة جدا في ظل الإمبراطورية الرومانية، والتاريخ يذكر أن معظم الأباطرة - من نرون وأوكتاويوس إلى تيبريوس وماركوس أورليوس - كانوا يهتمون بالنجامة اهتماما كبيرا، فكانوا يكثرون من استشارة المنجمين، ويعملون بما تقتضيه تنبؤاتهم في أغلب الأحيان.
حتى إن بعضا منهم لم يكتفوا باستشارة المنجمين، بل أكبوا على تعلم النجامة ليشتغلوا بها بأنفسهم مباشرة.
فإن الإمبراطور «تيتوس» مثلا كان يكثر من النظر في «طوالع» القواد الذين يخشى منافستهم، كما أن «دوميتيانوس» كان يلجأ إلى النجامة لمعرفة الأشخاص الذين ينوون منافسته، أو يطمعون في أن يكونوا خلفا له.
تذكر التواريخ الرومانية أن «سبتيموس سفريوس»
Septimius Sévérius
قبل أن يصبح إمبراطورا أخذ ينظر في طوالع الفتيات اللاتي يمكن أن يخطبهن ويقترن بهن، وحينما علم من طوالع الفتاة السورية «جوليا» بأنها ستصبح يوما «زوجة لملك»؛ أسرع إلى خطبتها وتزوجها، مؤمنا بأن ذلك سيساعده على تحقيق أطماعه في الاستيلاء على عرش الإمبراطورية الرومانية!
كما تذكر التواريخ المذكورة أن الإمبراطور «ماركوس أورليوس» الذي كان من كبار المفكرين، واشتهر بكلماته الحكيمة وآرائه الأخلاقية اشتهارا كبيرا، راجع منجما كلدانيا في قضية متعلقة بزوجته «فائوستين»؛ فإن زوجته هذه كانت شهرت بحب عميق جارف نحو أحد المصارعين، وبما أنها خشيت عواقب هذا الحب، وأرادت أن تحافظ على عفافها؛ فاتحت زوجها في الأمر بكل ساذجة واستقامة، والإمبراطور الحكيم استشار منجما كلدانيا، وعمل بما أشار به المنجم حرفيا.
ولعل أغرب أخبار النجامة المذكورة في التواريخ الرومانية هو ما حدث في عهد دوميتيانوس؛ أراد الإمبراطور المشار إليه أن يختبر المنجم «آسكلاريون»
Asclarion ، فوجه إليه السؤال التالي: «قل كيف ستكون عاقبة حياتك أنت؟» والمنجم لم يتردد لحظة في الإجابة على هذا السؤال قائلا: «إن الكلاب ستنهش جثتي نهشا.» عندئذ أراد الإمبراطور أن يظهر «كذب زعم المنجم» بصورة فعلية، فأمر بذبحه حالا، وبإفناء جثته حرقا، فقد أخذ الجلادون في تنفيذ أمر الإمبراطور: ذبحوا المنجم، وكدسوا الأحطاب، ووضعوا الجثة فوقها، ثم أشعلوا النار فيها، ولكن قبل أن يصل لهيب النار الموقدة إلى جثة المنجم المذبوح هبت عاصفة هائلة أطفأت النيران، واضطرت الحراس والجلادين إلى التباعد عن ذلك المحل، والتفرق في كل الجهات، وعندما هدأت العاصفة اجتمعت الكلاب على الجثة ونهشتها قبل أن يتمكن الحراس والجلادون من العودة إلى المحل لإتمام تنفيذ أمر الإمبراطور. وبهذه الصورة تحققت كهانة المنجم تماما، على الرغم من الخطة الجهنمية التي حاول تنفيذها ذلك الإمبراطور الجبار!