تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن كتب الرومان مملوءة بأخبار هذا النوع من الكهانات، وقد جمع المؤرخ اللاتيني «فالريوس ماكسيموس»

Valérius Maximus - في كتابه «الوقائع والأحوال المشهورة» - أمثلة كثيرة من ذلك.

فمنها قصة «الفرس والأرنب» خلال الحروب المادية؛ حينما أقدم «كورش-سرخس» على غزو بلاد اليونان حدثت حادثة عجيبة جدا؛ فرس ولدت أرنبا في اللحظة التي اجتازت جيوش الماديين جبل آتوس! إن هذه الحادثة الخارقة للعادة كانت إشارة من الآلهة إلى نتائج غزوة كورش، إن الملك الذي ستر البحار بأساطيله الكبيرة فاستولى على البراري بجيوشه الجرارة، اضطر إلى الهروب من ساحات الحروب كالأرنب الجبان.

ومنها حكاية الملك ميداس والنمل، عندما كان ميداس

Midas

ملك ليديا طفلا، حدثت له حادثة غريبة جدا؛ أتت النمل على فمه خلال نومه، ووضعت بين شفتيه بضعة حبوب من القمح، فقد دهش أهله من هذه الحادثة الغريبة، وراجعوا العرافين لتفسير معناها، وكان الجواب الذي تلقوه منهم سارا جدا؛ إذ إنهم قالوا: سيكون ميداس في المستقبل أغنى الناس في العالم. إن هذا التكهن قد تحقق تماما لأن ثروة الملك ميداس بلغت مبلغا هائلا فاقت مجموع ثروات كل الملوك في العالم.

يقول فالريوس ماكسيموس بعد سرد هذه القصة: «غير أن قصة النمل مع الملك ميداس تعتبر لا شيء بجانب حادثة النحل مع أفلاطون، فإن النمل إذا بشرت عائلة ميداس بثروة فانية، فإن النحل بشرت عائلة أفلاطون بسعادة سرمدية؛ لما كان أفلاطون رضيعا ينام في المهد جاءت النحل ووضعت عسلها بين شفتيه الرقيقتين، وحينما سمع العرافون بهذه الواقعة قالوا هذا يدل على أن الكلمات التي ستصدر من فمه ستكون في منتهى الحلاوة، تفوق حلاوة جميع الأشياء. ومن المعلوم أن هذه الكهانة أيضا تحققت تماما.

إن أمثال هذه الأخبار والروايات كثيرة جدا في مؤلفات الكثيرين من الكتاب والمؤرخين من الرومان، مثل؛ «جسيتنس»، و«تيتوس ليفيوس»، و«بلينيوس».

فقد كتب مثلا المؤرخ المشهور تيتوس ليفيوس

Titus Livius

في جملة ما كتبه من الأخبار: «في سنة 590 من تاريخ روما تكلم ثور في مدينة فروسيتون، وولد بغل ذو ثلاث أرجل في ريات، فقتل في السنة نفسها «أوكتافيوس»

Octavius

حاكم سوريا على يد ليزياس معلم آنتيوخوس.» «في سنة 606 من التاريخ المذكور، ولد طفل ذو ثلاث أرجل مع يد واحدة في آمينتان، ففي نفس السنة ارتكب هاسدروبال

Hasdrubal

مظالم فاجعة نحو أسرى الرومان خلال حصار مدينة قرطاجة، وبعد مدة قليلة استولى استثيبيون إميليان

Scipion Emilien

على المدينة المذكورة ودمرها تدميرا.» «في سنة 611 ولد طفل خنثى في لوني، ومع أن هذا الطفل ألقي في البحر عقب ولادته بأمر الكهنة، فقد حدث طاعون هائل في تلك المدينة حصد النفوس حصدا، ولم يترك مجالا حتى لدفن الأموات، كما أن الجيش الروماني نكب بهزيمة شنيعة في السنة نفسها.»

ونرى أن نذكر هنا ما كتبه الشاعر اللاتيني الشهير «فيرجيليوس»

Virgilius

عن الحوادث العجيبة التي حدثت قبيل موت القيصر، منذرة بهذا الحدث الخطير: «زلازل الأرض الشديدة، عواصف البحار الهائلة، عواء الكلاب المفزعة، صياح الطيور المشئومة، ثوران البراكين المحرقة، كلها كانت تنذر بقرب وقوع حادث خطير، ولقد سمعت في جرمانيا قعقعة الأسلحة في كل أنحاء السماء، وحدثت زلازل شديدة في جبال الألب، وسمعت أصوات هائلة في الغابات الهادئة، كما شوهدت طيوف باهتة في الأمسيات. وأعجب من كل ذلك أن البهائم تكلمت، والأنهر توقفت، والأرض تفجرت. وقد لوحظ في المعابد أن العاج بكى متألما، والشبهان تصبب عرقا، والدماء نبعت من الآبار، وفي الليالي تغلغلت في أجواء المدن عواء الذئاب، ولم تتوال الصواعق في يوم من الأيام بالكثرة التي حدثت في ذلك العهد، ولم تشتعل المذنبات في السماء بالشدة التي اشتعلت بها في التاريخ المذكور.»

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ١١