من الطبيعي أن الحوادث والوقائع كثيرا ما كانت تأتي مخالفة لنبوءات المنجمين، غير أن ذلك ما كان يكفي لزعزعة الاعتقاد العام بالتنجيم، والسبب في ذلك يظهر بوضوح تام مما كتبه المؤرخ الروماني الشهير تاسيتوس
Tacitus
في حولياته في هذا الصدد: «إذا جاءت الوقائع مخالفة للتنبؤات النجومية، فإن ذلك يجب أن يعزى إلى تقصير المنجمين في التفسير والحكم، لا إلى عدم صحة النجامة في حد ذاتها؛ لأن أسس النجامة من الأمور اليقينية التي لا يجوز أن يشك فيها أحد، إن صحة هذه الأسس ثبتت في الأزمنة القديمة كما ثبتت في زماننا هذا.»
وحينما ظهرت المسيحية عارض رجالها النجامة في بادئ الأمر؛ لأنهم رأوا في الاعتقاد بها ما يخالف الاعتقاد بحكم الله المطلق وقدرته الشاملة، غير أنهم لم يتمسكوا بهذا الرأي مدة طويلة، فعدلوا عن معارضة النجامة محاولين التوفيق بينها وبين التعاليم المسيحية بشتى التأويلات، وأفسحوا بذلك مجالا واسعا لسيطرة النجامة على أذهان الناس طوال القرون الوسطى.
وأما حركة الانبعاث التي أعقبت القرون المذكورة فلم تقض على النجامة، بل بعكس ذلك قوتها كما قوت كل ما يتعلق بالأزمنة القديمة.
ولهذا السبب لم ينقطع علماء الفلك في أوروبا عن الاشتغال بالنجامة، لا خلال القرون الوسطى فحسب، بل بعد عصر الانبعاث، وخلال عصر الاكتشافات أيضا.
وقد ظلت بلاطات الملوك في الأقسام المختلفة من القارة الأوروبية تستخدم - بين من تستخدمهم من الموظفين والمرافقين - جماعة من المنجمين الرسميين، فقد حفظ لنا التاريخ أسماء المنجمين الذين كانوا ينظرون إلى الطوالع الفلكية في خدمة الملوك العظام، كما حفظ لنا أسماء الذين قاموا بمهمة التنجيم عند ولادة بعض هؤلاء الملوك. فقد سجل التاريخ - مثلا - أن «نوستراداموس» كان منجما مشهورا، فنظر في طوالع عدة ملوك، من جملتهم؛ شارل التاسع، وكاترين دومديتسي. ثم إن الملك هنري الرابع استدعى لاريفيار
Lariviére
للنظر في أحكام النجوم عند ولادة ابنه لويس الثالث عشر، كما أن المنجم «موران»
Morin
كان حاضرا في الغرفة المجاورة لغرفة الملكة «آن دوتريش»
Anne D’autriche
والدة لويس الرابع عشر؛ استعدادا للنظر في الطوالع الفلكية، دقيقة ولادة المولود العظيم!
ومما يستلفت النظر في هذا الصدد أن العالم الفلكي المشهور «تيخو براهه»
Tycho Braha
الذي كان أول من خرج على تعاليم بطليموس القديمة في الفلك، وأول من فتح باب النهوض والتجديد في العلم المذكور في عصر الانبعاث. إن تيخو براهه نفسه كان من المنجمين، فقد قام بمهمة التنجيم لعدة ملوك، من جملتهم الإمبراطور رودولف الثاني. كما أن «كبلر»
Képler
الذي اكتشف القوانين الفلكية الأساسية المعروفة باسمه، والذي مهد السبل بذلك إلى اكتشافات «نيوتن»
Newton
الخطيرة؛ إن كبلر نفسه كان يعتقد بالنجامة ويشتغل بها.
حتى إن النجامة
Astrologie
صارت من العلوم التي تدرس في بعض الجامعات، كما أن كراسي تدريس النجامة في بعض الجامعات الإيطالية - مثل جامعة بادووا وجامعة ميلانو - ظلت قائمة وعامرة حتى أواخر القرن السادس عشر.
فكان من الطبيعي أن يشترك المؤرخون في هذه الاعتقادات الشائعة، وكان من الطبيعي ألا يكتفي بعضهم بالاشتراك بها فحسب، بل أن يقدم على «ربط التاريخ بأحكام النجوم» أيضا.
ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما جاء في مؤلفات المؤرخ المفكر المشهور «جان بودن»
J. Bodin ، الذي عاش وكتب في فرنسا في القرن السادس عشر (1530-1594)، ونحن نرى من المفيد أن نستعرض الآراء التي سردها هذا المؤلف في هذا الصدد بشيء من التفصيل؛ لأنه يعد من «آباء فلسفة التاريخ»، ويقال عنه: «إنه أول من ألقى نظرة فلسفية إلى التاريخ» من بين الفرنسيين.
لقد اشتهر «بودن» في تاريخ العلوم بكتابين نشرهما في أواسط القرن السادس عشر؛ أحدهما بعنوان «الجمهورية» أو «الدولة» (1567)، والثاني بعنوان «منحى التاريخ» (1557).