صلى الله عليه وسلم : «اللهم من ولي أمرا من أمور أمتي فشق عليهم فاشقق اللهم عليه، ومن ولي أمرا من أمور أمتي فرفق بهم فارفق اللهم به.» فركب الأمير ولم ير له وجه.
قال الشيخ محمد الشببي: وإنما حسن من الشيخ العبيدلي هذا؛ لأن الشيخ الرماح ذلك العالم الجليل الذي اقتبل الأمير المذكور كانت حوائج الخلق تقضى على يديه، فلذلك حسن من العبيدلي الإعراض عمن ذكر، ولو مات الشيخ الرماح قبله، واضطرت الناس إلى العبيدلي؛ لوجب عليه أن يغير طريقه ويسلك طريق شيخه الرماح؛ ليتوصل بذلك إلى قضاء حوائج المسلمين. ألف العبيدلي كتابا في الفقه، وعقيدة في التوحيد. توفي سنة 748ه، وقبره عليه قبة صغيرة بمقبرة الحطبية بقرب ضريح ابن ناجي مشهور يزار، رضي الله عنه.
عبد السلام بن غالب المسراتي
قرأ على أبي يوسف الدهماني وغيره من العلماء؛ منهم: أبي زكرياء يحيى بن محمد البرقي الصدفي، قرأ عليه القراءات السبع والحديث وتفقه عليه، ثم انتصب الشيخ عبد السلام لقراءة العلم، فانتفع به خلق كثير، منهم عبد الرحمن بن محمد الأنصاري. قال أبو يوسف الدهماني: اجتمع في عبد السلام بن غالب أربع خصال: العلم، والعمل، والزهد، والورع. ولعبد السلام تآليف كثيرة منها كتاب في الفقه سماه «الوجيز»، ونقل فيه الشيخ خليل في شرحه على ابن الحاجب. وكان عبد السلام كثيرا ما ينشد هذا البيت:
أنت في غفلة وقلبك ساهي
ذهب العمر والذنوب كما هي
توفي يوم الخميس من شهر صفر سنة 646ه، ودفن يوم الجمعة إثر صلاتها، وقبره بالحطبية عليه عمود أزرق، وبجانب قبره من جهة الجوف قبر ابنه إبراهيم العالم المصلح المتوفى سنة 704ه، رضي الله عنهما. (4) مقبرة باب الخوخة
أبو القاسم السيوري
أخذ الفقه عن أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي عمران الفاسي، وكانت له عناية بالحديث والقراءات، والغالب عليه الفقه. انتفع به خلق كثير؛ منهم: عبد الحميد المهدي، وأبو الحسن اللخمي، وأبو القاسم الماهري، وغيرهم من فضلاء العلماء. وكان من الحفاظ المعدودين، والفقهاء المبرزين، يحفظ المدونة تماما، ويحفظ دواوين المذهب الحفظ الجيد، ولما نفذت المدونة أملاها من رأسه، وعندما وجدت نسخها قابلوا ما أملى عليهم فوجد سواء. وله تعليق على نكت في المدونة. وبنى دارا لدبغ الجلود؛ لأنه كان يأكل من كد يمينه. وكان يملك من الزيتون بالساحل اثنتي عشرة ألف زيتونة، ويخدم بعضها بنفسه، يأخذ نصف دخلها ينتفع به، والنصف الآخر للفقراء والمساكين، وكان مسموع الكلمة عند الأمراء؛ بحيث إذا طلب عزل وال ظالم عزل. توفي بالقيروان سنة 462ه، ودفن بداره خارج الباب المعبر عنه الآن بباب الخوخة أحد أبواب القيروان، ضريحه مشهور، رضي الله عنه. (5) مقامات العلماء والصلحاء الأتقياء التي داخل سور القيروان
أبو عمران الفاسي
أصله من فاس، وبيته بها بيت مشهور، يعرفونه ببني الحجاج. تفقه بالقيروان على الشيخ أبي الحسن القابسي وغيره. ثم رحل إلى قرطبة فقرأ على سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان وغيرهما. ثم رحل إلى المشرق، وأخذ بمصر القراءات على عبد الكريم بن أحمد، وأخذ بمكة على أحمد السرقسطي، وحج حجات كثيرة، ودخل بغداد سنة 399ه، وحضر مجلس أبي بكر بن الطيب الباقلاني القاضي، وسمع العلم منه ومن غيره، ثم عاد إلى القيروان فأقرأ بها القرآن ودرس الفقه وأسمع الحديث، ورحلت إليه الطلبة من أقصى البلاد، وتفقه عليه جماعة كأبي القاسم السيوري وغيره، وطارت فتياه في المشرق والمغرب، ثم رحل إلى المشرق مرة ثانية سنة 426ه، فلقي بمكة عبد الله بن أحمد الهروي وأخذ عنه، ثم قدم القيروان قبل وفاته بيسير. ولما حضرته الوفاة جعلت زوجته تمرغ خديها على رجليه، فقال لها: مرغي أو لا تمرغي، والله إني ما مشيت بهما إلى معصية قط. ولد في سنة 368ه، وتوفي في الثالث عشر من رمضان سنة 430ه، وصلى عليه أبو بكر عتيق السوسي الزاهد بوصية له، ودفن بداره الكائنة الآن قرب الجامع الأعظم، وأحفاده موجودون بالقيروان إلى الآن، ضريحه مشهور بالدار المذكورة يزار، رضي الله عنه.