لعمر أبيك ما نسب المعلى
إلى كرم وفي الدنيا كريم
ولكن البلاد إذا اقشعرت
وصرح نبتها رعي الهشيم
وبالجملة فقد كان القابسي إمام زمانه في العلم والصلاح. توفي ليلة الأربعاء لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة 403، وله من العمر ثمانون سنة إلا خمسة أشهر، وصلى عليه أبو عمران الفاسي بين الفسقية والمقبرة، ورثاه شعراء القيروان إذ ذاك بمائة قصيدة، وضربت الأخبية على قبره مدة ستة أشهر، وبات عليه خلق كثير، وقبره بمقبرة الحطبية بجوار الشيخ يوسف الدهماني مشهور يزار، رضي الله عنه.
أبو يوسف الدهماني
كان من أعلام طريق الإرادة، وكان له في بداية أمره رياضة ومجاهدات للنفس وصدق معاملات، سمع الفقه من أبي زكرياء بن عوانة، ولازم مجلسه وانتفع به، وسمع الحديث من عبد الله بن حوط وغيره، ورحل إلى بجاية للقاء الشيخ أبي مدين شعيب بن موسى، ثم توجه إلى الحج سنة 595ه، ولقي الشيخ أبو عبد الله القريشي وجماعة من شيوخ المتصوفين الذين خدموا الأمة بإرشادهم وإصلاحهم، وقد تخرج على الشيخ الدهماني طائفة اشتهرت بالعلم والصلاح. ولد أبو يوسف بالبادية بقرب قرية تسمى المسروقين من حوز القيروان، ونشأ بالبادية والقيروان، وتوفي ليلة عاشوراء سنة 621ه وعمره اثنان وسبعون عاما، وقبره في وسط قبة بمقبرة الحطبية مشهور يزار، وأحفاده موجودون إلى الآن، رضي الله عنه.
ابن ناجي
هو العالم قاسم بن عيسى بن ناجي، قرأ العلم بالقيروان عن ابن عرفة، وعن أبي مهدي الغبريني، والبرزلي، ويعقوب الزغبي، وعمر المسراتي القيرواني، ومحمد بن فندار القيرواني، والقاضي بن أبي بكر الفاسي. ولي الإمامة والخطابة في جامع الزيتونة بالقيروان بإشارة قاضي القيرواني في ذلك العصر وهو الشيخ محمد بن قليل الهم، وفي يوم توليته قال له الشيخ المذكور: «نحن عقدنا على رأسك لواء أبيض، فاحذر أن تدنسه بما لا يليق، وبالمشي مع من لا يليق.» وكان عمر ابن ناجي إذ ذاك إحدى وعشرين سنة، ثم انتقل إلى تونس، وقرأ بها أربعة عشر عاما، وبعدها قدم قاضيا وخطيبا بجزيرة جربة، ثم انتقل لقضاء باجة، وكان له تفقه عظيم، وله شرحان على المدونة؛ «الشتوي» في أربعة أسفار، و«الصيفي» في سفرين. وله شرح على الرسالة حسن مفيد سماه «المهذب»، وبالجملة فهو من مشاهير العلماء المصلحين، انتفع به خلق كثير، توفي سنة 837ه، وقبره في وسط قبة صغيرة بمقبرة الحطبية مشهور يزار، رضي الله عنه.
علي العبيدلي
أصله من عرب البادية، جاء إلى القيروان كبيرا، فقرأ العلم على الشيخ الرماح وغيره من كبار العلماء، فنبغ وانتفع به خلق كثير، وكان لا يريد أن يجتمع بالأمراء ولا ينظر إليهم، ولا تأخذه في الأمر بالمعروف لومة لائم. ولما وصل أبو يحيى أبو بكر أمير إفريقية في ذلك العصر للقيروان بمحلته، اقتبله أبو عبد الله الرماح مع أهل القيروان، فقال لهم الأمير: هل في القيروان من العلماء الأحياء الصالحين من يزار؟ فقالوا له: نعم، الشيخ علي العبيدلي. فعزم على زيارته، فقيل له: لا يفتح لك الباب. فقصده هو وقائده المسمى ابن سيد الناس، فدق الباب، فقالت امرأة من خلف الباب: من هذا؟ فقال لها الأمير: قولي للشيخ أميرك بالباب ينتظرك. فلم يخرج له، فتعوذ الأمير، وقرأ بصوت عال:
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، فأجابه الشيخ، وكان يصلي بصوت عال سمعه الأمير والناس:
الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور
ولم يخرج له، فقال الأمير: لا بد لي من رؤيته. فقيل له: إنك لا تراه إلا يوم الجمعة؛ لخروجه للصلاة.
فوقف له الأمير يوم الجمعة في مكان، فلما رأى الشيخ ترجل عن جواده، فانفتل الشيخ العبيدلي بوجهه إلى حائط السور ولم ينظر إليه، فقال له الأمير: يا سيدي، أحب منك أن تدعو لي، فقال له الشيخ: قال رسول الله