ونعود إلى ذكر شيء من أخبار رؤساء هؤلاء الصعاليك لأنه يوضح لنا صورتهم، فعروة بن الورد مثلا كان من المشاهير الصعاليك ومن شعرائهم.
يتغنى بالصعلكة وينهى امرأته عن التعرض لسيرته، فهو إذا خرج للقتال لا يصح أن تعترضه، وإذا حصل مالا وأراد أن يفرق على الصعاليك أمثاله لا يصح أن تعترض عليه أيضا.
وأكبر ميزة لعروة أنه كان رجلا يشعر بالناس أكثر مما يشعر بنفسه، واخترع لذلك المعنى التعبير الفني الجميل الذي ذكرناه وهو: (أقسم جسمي في جسوم كثيرة)
ويقول:
إني امرؤ عافي إنائي شركة
وأنت امرؤ عافي إنائك واحد
15
أتهزأ مني إن سمنت وقد ترى
بجسمي مس الحق والحق جاهد
16
أقسم جسمي في جسوم كثيرة
وأحسوا قراح الماء والماء بارد
17
وقد جهد قومه جهدا شديدا ولاقوا عناء، وأحاطوا أنفسهم بسياج لما أعوزتهم المكاسب، وقالوا: «نموت فيها جوعا خير من أن تأكلنا الذئاب.»
وكان عروة غائبا فأتاهم فنزع عنهم سياجهم وقال لهم: «هذه قلوصي فقددوا لحمها واحملوا أسلحتكم عليها حتى أصيب لكم ما تعيشون به أو أموت.»
فخرج مع أتباعه فوجدوا في الطريق آثارا، فقال لهم: «هذه آثار من يرد الماء فاكمنوا.» فجاءت الإبل بعد خمس، فوردت منها مائة معها فصلانها، ومعها فارس بسلاحه فخرج عليه عروة وضربه بسهم أرداه. واستاق الإبل حتى أتى قومه فأحياهم، وفي ذلك يقول:
أليس ورائي أن أدب على العصا
فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي
أقيموا بني لبني صدور ركابكم
فإن منايا القوم شر من الهزل
لعل انطلاقي في البلاد ورحلتي
وشدي حيازيم المطية بالرحل
سيدفعني يوما إلى رب هجمة
18
يدافع عنها بالعكوف وبالبخل
وكان يصحبه صعلوك آخر يسمى أشيم بن شرحبيل، وكان يسمى مأوى الصعاليك لأنه كان يعولهم وينفق عليهم حتى يستغنوا.
وربما كان الصعلوك الثاني المشهور وهو الشنفرى. وإذا كان عروة يصور لنا المعنى الإنساني في حركة الصعاليك كان الشنفرى يصور لنا معنى الشجاعة والسلب والنهب ونحوها، أي إن عروة يمثل الغاية والشنفرى يمثل الوسيلة. وربما كانت لفظة الشنفرى تدل على ذلك، فإن من معانيها الغليظ الشفتين. وقد فقد الشنفرى توازنه الاجتماعي مع قبيلته حتى صار لا يقام له وزن. ويذكر في شعره فقره وهزاله ونعليه الممزقتين وثيابه البالية المهلهلة وحمله قربة الماء وتشرده في الصحراء بين الوديان السخيفة حيث تتجاوب الجن. فشعر عروة أكثره في غيره والشنفرى أكثر شعره في نفسه.
من مثل قوله:
خرجنا من الوادي الذي بين مشعل
وبين الجبا هيهات أنشأت سربتي
19
أمشي على أين الغزاة وبعدها
يقربني منها رواحي وغدوتي
20
وأم عيال قد شهدت تقوتهم
إذا أطعمتهم أوتحت وأقلت
21
تخاف علينا العيل إن هي أكثرت
ونحن جياع أي آل تألت
22
مصعلكة لا يقصر الستر دونها
ولا ترجى للبيت إن لم تبيت
23
ثم يقول:
شفينا بعبد الله بعض غليلنا
وعوف لدى المعدي أوان استهلت
24
إذا ما أتتني ميتتي لم أبالها
ولم تذر خالاتي الدموع وعمتي
25
وإني لحلو إن أريدت حلاوتي
ومر إذا نفسي العزوف استمرت
26
أبي لما آبي، سريع مباءتي
إلى كل نفس تنتحي في مسرتي
من أجل هذا كان شعر عروة رقيقا لطيفا، وشعر الشنفرى جافا عنيفا، ومن خير ما ترك لنا لاميته المشهورة الخالدة التي سموها لامية العرب ومطلعها:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم
فإني إلى القوم سواكم لأميل
وقد عني بها الأدباء وشرحوها عدة شروح. وعارضها الطغرائي في لاميته الأخرى وسماها لامية العجم.
ويقول في وصف نفسه:
قليل غرار النوم أكبر همه
دم الثار أو يلقى كميا مسفعا
قليل ادخار الزاد إلا تعلة
فقد نشز الشرسوف والتصق المعا
ومن يغر بالأعداء لا بد أنه
سيلقى بهم من مصرع الموت مصرعا
وإني وإن عمرت أعلم أنني
سألقى سنان الموت يبرق أصلعا
وللقتال الكلابي شعر كشعر الصعاليك فلعله منهم إذ يقول:
إذا هم هما لم ير الليل غمة