عليه ولم تصعب عليه المراكب
جليد كريم خيله وطباعه
على خير ما تبنى عليه الضرائب
27
إذا جاع لم يفرح بأكله ساعة
ولم يبتئس من فقدها وهو ساغب
وفي مثل هذا المعنى يقول حاتم طيئ:
غنينا زمانا بالتصعلك والغنى
فكلتاهما يسقي بكأسيهما الدهر
فما زادنا بغيا على ذي قرابة
غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر
وكان سحيم بن وئيل اليربوعي يتصعلك، وكان مخضرما، عاش طويلا في الجاهلية والإسلام يقول:
إني إذا ما القوم كانوا أنجيه
28
واضطرب القوم اضطراب الأرشيه
29
وشد فوق بعضهم بالأرويه
هناك أوصيني ولا توصي بيه
ومن شعراء الصعاليك أيضا البراق. وله شعر كثير، ورجز كثير، من شعره قوله:
لعمري لست أترك آل قومي
وأرحل عن غنائي أو أسير
بهم ذلي ما كنت فيهم
على رغم العدا شرف خطير
أأنزل بينهم إن كان يسر
وأرحل إن ألم بهم عسير
وأترك معشري وهم أناس
لهم طول على الدنيا يدور
فكف الكف عن قومي وذرهم
فسوف يرى فعالهم الضرير
ويقول:
إذا لم أقد خيلا إلى كل ضيغم
فآكل من لحم العداة وأشبع
فلا قدت من أقصى البلاد طلائعا
ولا عشت محمودا، وعيشي موسع
ويقول:
لأفرجن اليوم كل الغمم
من سيبهم في الليل بيض الحرم
صبرا إلى ما ينظرون مقدمي
إني أنا البراق فوق الأدهم
لأوجعن اليوم ذات المبسم
بنت لكيز الوائلي الأرقم
ويقول:
تولت رجالي بالغنائم والغنى
مزجين للأجمال من رملان
ونادوا نداء بالرحيل فلم أطل
إيابا، وصنوي في المعارك فاني
أأترك من لا يترك الدهر طاعتي
ملب لما أدعوا بكل لسان
أخي ومعيني في الخطوب وصاحبي
بكل إغاراتي بحد سناني
فلما دعاني يا ابن روحان لم أحم
وقومت عسالي وصدر حصاني
طعنت بنصل الرمح جبهة مالك
وغيبته فيه بغير توان
ومن الشعراء الصعاليك تأبط شرا، ومن شعره المشهور وفيه ما يدل على نفسه:
إذا المرء لم يحتل وقد جد جده
أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلا
به الخطب إلا وهو للقصد مبصر
أقول للحيان
30
وقد صفرت لهم
وطابي ويومي ضيق الجحر معور
هما خطتا إما أسار ومنة
وإما دم والقتل بالحر أجدر
وقال أيضا قصيدته اللامية ومطلعها:
إن بالشعب الذي دون سلع
لقتيلا دمه ما يطل
ومنها يصف نفسه:
شامس في القر حتى يداني
ذكت الشعرى فبرد وظل
يابس الجنبين من غير بؤس
وندى الكفين شهم مدل
31
ظاعن بالحزم حتى إذا ما
حل حل الحزم حيث يحل
غيث مزن غامر حيث يجدي
وإذا يسطو فليث أبل
32
مسبل في الحي أحوى رفل
وإذا يغزو فسمع أزل
33
وله طعمان أري وشري
وكلا الطعمين قد ذاق كل
34
يركب الهول وحيدا ولا ي
صحبه إلا اليماني الأفل
ولعل في هذه الأبيات وصف كل صعلوك كبير ...
وقد أعجب بها جوته الشاعر الألماني فترجمها إلى الألمانية. واختار له المفضل الضبي في كتابه المفضليات شعرا كثيرا، بل افتتح مختاراته بشعر تأبط شرا هذا بقصيدته المشهورة:
يا عيد ما لك من شوق وإبراق
ومر طيف على الأهوال طراق
يقول فيها:
لا شيء أسرع مني ليس ذا عذر
وذا جناح بجنب الريد خفاق
35
ومنها:
ولا أقول إذا ما خلة صرمت
يا ويح نفسي من شوق وإشفاق
36
سباق غايات مجد في عشيرته
مرجع الصوت هدا بين أرفاق
37
حمال ألوية شهاد أندية
قوال محكمة، جواب آفاق
فذاك همي وغزوي أستغيث به
إذا استغثت بضافي الرأس نغاق
38
ثم يقول:
عازلتي إن بعض اللوم معنفة
وهل متاع وإن أبقيته باق
إني زعيم لئن لم تتركوا عذلي
أن يسأل الحي عني أهل آفاق
39
سدد خلالك من مال تجمعه
حتى تلاقي الذي كل امرئ لاقى
40
لتقرعن علي السن من الندم
إذا تذكرت يوما بعض أخلاقي
وهذا آخر القصيدة الجميلة القوية الدالة على بعض أخلاق الصعاليك النبلاء.
وممن عرف من الصعاليك أبو خراش الهذلي وهو يهمنا لأنه كان صعلوكا مخضرما، عاش بعض حياته في الجاهلية وبعضها في الإسلام، وليس بين الحياتين فرق كبير، وقد امتاز أبو خراش بالرثاء كما اشتهر به قومه الهذليون، فرثى أصحابه في الجاهلية وأصحابه في الإسلام بمعان مألوفة في الشعر الجاهلي مثل الكرم والشجاعة، وعجز الإنسان أمام الموت. ومع ذلك يمكن تبين أثر الإسلام في شعره الإسلامي كأن يقول: