ويمضى على الهيجاء ليثا مصمما
12
إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت
تيمم كبراهن ثمت صمما
13
فذلك إن يلق الكريهة يلقها
حميدا، وإن يستغن يوما فربما
14
وكان من الصنف الثاني عروة بن الورد، ولذلك تمنى معاوية أن يصاهره وعبد الملك بن مروان أن يكون عروة أباه كما ذكرنا. وللصعاليك من النوع الثاني أقاصيص كثيرة بديعة؛ من ذلك ما روي أن عروة بن الورد بلغه عن رجل من بني كنانة بن خزيمة أنه أبخل الناس، وأكثرهم مالا، فبعث عليه عيونا فأتوه بخبره، فشد على إبله فاستاقها، ثم قسمها على أصحابه.
وكان عروة هذا إذا أصابت الناس سنة جدبة ترك هو وأصحابه المريض والكبير الضعيف في دورهم، ثم يأخذ الأقوياء من قومه معه ويخرج فيغير بهم، ويجعل لأصحابه ولهؤلاء المرضى والكبار والضعاف نصيبهم. حتى إذا أخصب الناس وذهبت السنة ألحق كل إنسان بأهله، وقسم له نصيبه من غنيمة إن كانوا غنموها. وربما أتى الإنسان منهم أهله وقد استغنى. ومثل هذه الأخبار والأشعار نراها في أخبار تأبط شرا والسليك بن السلكة والشنفرى وأمثالهم من المشاهير الصعاليك. •••
نعود بعد ذلك للفتيان، فلعلهم كانوا كذلك قسمين، كلهم أغنياء وكلهم شبان ولكن يختلفون في مقدار النجدة والكرم.
يقول الشاعر:
وليس فتى الفتيان من راح واغتدى
لشرب صبوح أو لشرب غبوق
ولكن فتى الفتيان من راح واغتدى
لضر عدو أو لنفع صديق
فهو يرى أن الغنى وحده واللهو والشراب لا تكفي لجعل الفتى فتى الفتيان، وإنما الذي يجعله فتى الفتيان جده في الحياة، وأن يكون ضارا لعدوه نافعا لصديقه.
ويقول الآخر:
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه
خلق وجيب قميصه مرفوع
فهذا لا يجعل الغنى والترف عنصرين من عناصر الفتوة، عكس ما هو مفهوم، بل إن الفتى قد يكون فتى وهو فقير، رداؤه خلق، وقميصه مرفوع، وبذلك يلتقي الفتى مع الصعلوك بهذا المعنى.
وقد اشتهر كثير من العرب بالصعلكة، وربما كان من أشهرهم عروة بن الورد، ويسمى عروة الصعاليك، والشنفرى وتأبط شرا، وسليك بن السلكة، وهؤلاء على ما يظهر هم الزعماء منهم أو من جمعوا بين الصعلكة والشاعرية التي أظهرتهم.
أما الصعاليك الآخرون فأكثرهم مغمورون أو جنود مجهولون.
وقد أنتجت الحالة الاجتماعية في جزيرة العرب هذه الصعلكة؛ لأن أكثرهم كان من الفقراء ولا يجدون ما يأكلون، وإذا حصلوا على شيء من غارة أو نحوها فشيخ القبيلة هو الذي يأخذ من الغنيمة حصة الأسد، وهم لا يأكلون إلا الفتات، ثم نتاج الأرض قليل محدود لا يكفي كلهم ليعيشوا عيشة سعيدة، وتكاد تكون حالتهم في الغنى والفقر كحالتنا اليوم، شعب فقير ورؤساء أغنياء، فماذا يصنعون؟
لا سبيل للتحرر من هذا إلا الإغارة على الأغنياء، ولكن بشرطين ينفعان في العلاج؛ الأول: أن يتركوا الأغنياء المحسنين لأن إحسانهم في الواقع حقق غرضهم وأسدى إلى فقرائهم خيرا كثيرا. وإن المروءة تقتضي بأن الأغنياء متى أدوا الواجب عليهم فلا يستحقون ظلما ولا عدوانا. فكانوا يتجسسون على الأغنياء؛ فمن علموا أنه كريم تركوه وشأنه، بل وحافظوا على أمواله. ومن عرفوا أنه شحيح بخيل وجدوا أنه قصر في واجبه، فنفذوا هم بالتلصص واجبهم.
والأمر الثاني: أنهم تجنبوا أن يقعوا في الخطأ الذي وقع فيه الأغنياء والأشحاء، وفرضوا على أنفسهم أنهم يفرقون بالسوية بينهم ما جمعوا حتى لا يكون رئيس ومرؤوس ولا غنى ولا فقير. يدل على ذلك القصة التي حكيناها عن عروة الصعاليك وأتباعه إذ أبوا عليه أن يختص بأي شيء. وبذلك يكونون مجتمعا خاصا داخل المجتمع الكبير عماده كما نقول اليوم: الاشتراكية، بل هي أسمى من الاشتراكية لأنهم كانوا يحصلون المال ممن لا يستحقه ثم ينفذون بالقوة هذه الاشتراكية.
وهم هم الرقباء على تنفيذها. وقد كثر عددهم بسبب أن أفرادا خرجوا على قبيلتهم بارتكاب جريمة لا ترضاها القبيلة فخلعوهم. فلما خلعوا لم يجدوا أمامهم إلا الصعلكة يداوون بها خلعهم وسموا الخلعاء. فيحدثنا مثلا صاحب الأغاني أن قيس بن الحدادية كان خليعا صعلوكا خلعته قبيلته خزاعة؛ لأنه اشترك مع جماعة من أسرته في قتل أحد أفراد قبيلة وعجز هو ورفقاؤه عن دفع الدية وفروا هاربين، ونزلوا على فراس بن غنم فآواهم وتصعلك مع صعاليكها، ومثله أبو الطمحان القيني وغيرهما. ويظهر أنهم لما خلعوا من قبيلتهم - ولا حماية لأحد في هذه البيئة إلا بقبيلته - اضطروا إلى الالتجاء إلى قبيلة أخرى يحتمون بها، ولم يجدوا خيرا من التصعلك؛ إذ هو يتفق مع جنايتهم لأنه جناية أخرى. وجناية كريمة خير من جناية وضيعة.