ومن قديم مجد العرب الخيل؛ أكرموها، واعتنوا بتربيتها، وإلى الآن تنسب إليهم الخيول العربية.
فقد كانت أكبر الفضائل عندهم المروءة، وهي تمت بسبب قريب إلى الفروسية. وتقرأ في كتاب الأغاني والعقد الفريد وأمثالهما، فتجد قصصا كثيرة عن المروءة، من مثل قصص زيد الخيل، وعمرو بن معد يكرب والمهلهل. وليست قصة عنترة العبسي إلا نوعا من أنواع البطولة مملوءة بالفروسية. حتى قصته نفسها من أنه كان ابن أمة، وكان منبوذا لذلك، فلما هوجم قومه أبى القتال لأنه وضيع، فحرره أبوه، فأتى بالعجائب.
فلما أتت الحروب الصليبية رأينا أعمالا كبيرة من أعمال البطولة من مثل احترام النساء والأطفال، وفك الأسير، كالذي يحكونه أن نصرانيا ادعى أنه عطشان، فلما أحضر له الماء زعم أنه خائف أن يقتل، فلما حلف له أنه لا يقتل حتى يشرب، كب الماء على الأرض وطالب الحالف أن يبر بوعده، فبر بوعده وأطلقه. كذلك لم يكن عمل المسلمين في الأندلس بأقل فروسية من أعمال المسلمين في الشرق. وكذلك أعمال المماليك في القاهرة، وهم الذين حاربوا الحروب الصليبية الأخيرة، كما تدل عليه قصص ألف ليلة وليلة. وليس ببعيد أن تكون الفروسية عند الأوربيين قد استعيرت من الفروسية عند المسلمين، فإنها لم تظهر عندهم إلا زمن الحروب الصليبية، وقد أفادت الأوربيين فائدة كبرى، فقد نقلت الجمعية الأوربية من ظلم الإقطاعيين وحروبهم المستمرة، إلى مدينة قارة يسود فيها السلم. هذا إلى أنها قوت خصالا خاصة أهمها ثلاث: (1)
النجدة في الحروب. (2)
الدين. (3)
احترام المرأة.
وأهم من ذلك كله معاونة من يستحق المعونة، وبامتزاج النجدة الحربية والدين نشأت الرحمة ومعونة الفقراء والضعفاء، حتى الرحمة بالحيوانات، وأهمها الفرس.
وبامتزاج الدين واحترام النساء زاد تعلق المسيحيين بالسيدة مريم العذراء. وقد ظهر من ذلك الحين في العالم المسيحي أعمال بطولة وآداب تتغنى بالفروسية، وسعة الصدر مع المخالفين في العقيدة.
أضف إلى ذلك أن الصوفية تبنوا فكرة الفتوة وعدوها من الفضائل التي يحثون المريدين على التمسك بها، كالذي نراه في الرسالة القشيرية، والفتوحات المكية وغيرهما. وجعلوا من مقررهم احترام النساء، حتى ليأبون أن تصب امرأة على أيديهم، وحتى ليأبون أن يؤذوا النمل والحيوانات الضعيفة أي إيذاء، وحتى يعدوا من أنواع الفتوة إزالة كل عائق يعوق وصول الخير إلى مستحقه، فإذا وجدوا حجرا يعوق الماء أزالوه حتى يصل إلى النبات. وإذا وجدوا إنسانا تعوقه عن الخير فكرة شريرة أزالوها عنه، وإذا وجدوا بؤسا يعوق الناس عن المعيشة عيشة راضية وكان في استطاعتهم بذل المال بذلوه وهكذا. وظلت الفتوة في كتب الصوفية تنمو حتى بلغت الغاية في كتب المتأخرين.
وحتى في أيامنا الأخيرة كان الفتوات الوضيعون مصدرا للشهامة والنجدة لمن يستنجد بهم، وحماية المرأة والإغداق على الأصحاب إلى غير ذلك. بل كانوا هم الدعاة إلى الوطنية والحماة للبلاد، فقد أقلقوا الفرنسيين مدة احتلالهم، وكانوا لهم مصدر قلق واضطراب كما ذكرنا قبل وخصوصا حي الحسينية، فلما اجتمع عليهم الاضطراب في الداخل وحرب الإنجليز لهم في الخارج اضطروا إلى الخروج، ولذلك تعلم الإنجليز هذا الدرس، فكان من برنامجهم القضاء على الفتوات، حتى لا يكونوا مصدر قلق لهم، ولم يرضوا منهم أن يتسلحوا حتى بالسكاكين والحجارة، وضيقوا عليهم كل المسالك، وأذلوهم بجميع أنواع الذل، حتى زالت هيبتهم. •••
هذا شأن الفتوة. أما شأن الصعلكة فقد أفادت كثيرا من ناحية تخفيف ويلات الفقر في الجاهلية. فقد كان الجاهليون ينقسمون إلى شيوخ قبائل ينعمون بالغنى والترف، هم ومن اتصل بهم، والباقون هم رعاع لا يجدون ما يأكلون، وأفراد القبيلة يحاربون ويقاتلون ويقتلون ويجرحون حتى إذا غنموا فخير الغنائم لشيخ القبيلة، ولها اسم خاص وهي الصفايا. أما أفراد القبيلة فلهم فتات الموائد. وهي حال بائسة تعسة. وربما كان من أقرب الأمثلة لذلك اليوم ما هو حادث في قبائل العراق. فقد وضع ثلاثة مشايخ أيديهم على نحو ثلاثة ملايين من الأفدنة، يزرعها لهم أفراد القبيلة، ثم الثروة كلها لهم. وباقي القبيلة همج رعاع فقراء تعساء. قلما يجدون ما يأكلون. ويقع هذا تحت سمع الإنجليز وبصرهم، فيرضون عن هذا النظام ويشجعون علما منهم بأن وضع ثلاثة من الرءوس تحت أيديهم وإرضاءهم بالمال الوفير أسهل من إخضاع ملايين الناس ممن لا يجدون ما يأكلون.