ولا تخلو جماعة من هذه الجماعات البدوية الجاهلية من رقة الشعور، خصوصا من سموا الشعراء كعروة بن الورد، والشنفرى. فهؤلاء لما رأوا هذه الحال؛ حال منغمس في الترف لا إلى حد، ومنغمس في الفقر لا إلى حد لم يرضوا عنها، وآلوا على أنفسهم أن يأخذوا من الظالم للمظلوم، وأن يقربوا مسافة الخلف بين الطائفتين، ولذلك تركوا من كان غنيا كريما لأنه يؤدي ما عليه للفقراء، ونقموا على الأغنياء الأشحاء، فكانوا يهجمون عليهم هم وأتباعهم من رجال الحرب الشجعان، ويسلبونهم نوقهم وسائر أموالهم، ثم يقسمونها على الفقراء قسمة عادلة من غير محاباة.
ويتمدحون بسلبهم أموال البخيل وإطعامهم الطعام للفقير. وماذا كانوا يفعلون غير هذا، وهم يرون قوما في السماء، وقوما في الأرض، قوما يموتون تخمة، وقوما يموتون جوعا، ففعلوا بذلك فعل الاشتراكية اليوم، وزادوا عليها أنهم كانوا يأخذون ما يأخذون بالقوة إذ ليس هناك حكومة تنفذ ذلك بالضرائب.
وروى المؤرخون كثيرا من هذه الأحداث وخلقوا بجانب ذلك أدبا رائعا كالذي نراه في ديوان عروة وديوان الشنفرى. ومن أجل ذلك لم يكن اسم الصعلوك منفرا ولا مكروها، بل كان الرجل يفتخر بأنه صعلوك لأن معناه محقق العدل بالقوة، وكان عملهم في السلب والنهب ليس غريبا، لأن السلب والنهب وإغارة القبيلة على القبيلة كان شائعا مألوفا، حتى قال قائلهم في الإغارة:
وأحيانا على بكر أخينا
إذا ما لم نجد إلا أخانا
وقد ضعف شأن الصعلكة في الإسلام، ولم يكن شأنها في الإسلام شأن الفتوة لسببين:
أولهما أن نظام الإسلام في أوله وزع الثروة بالزكاة أولا، والإحسان بما هو فوق الزكاة، ثم بتوزيع الميراث على الأبناء والأقارب. حتى كان الميراث نصيب عدد كبير. وثانيا لوجود الحكومة التي تأخذ بيدها على يدي الغاصب السالب والناهب، وقد جعلت عقوبة شديدة لمن يقطع الطريق فقال القرآن الكريم:
إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم
فقلت بذلك أعمال الصعلكة.
وليست الأعمال الاشتراكية التي تقوم بها إنجلترا وأمريكا اليوم إلا عملا منظما من أعمال الصعلكة، تجمع المال الكثير من الأغنياء، ثم تصرفه فيما ينفع الجميع من بناء مستشفيات وملاجئ ومدارس مما اقتضاه العقل الحديث في التنظيم.
فهي فكرة صعلكة متبلورة.
ومن حين لآخر كانت تظهر في الإسلام حركات تشبه حركات الصعلكة. كالذي فعله أبو ذر الغفاري في الشام إذ نادى بالمساواة. وأنذر الذين يكنزون الذهب والفضة بالعذاب فتلا قوله تعالى:
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم
وألب الناس على معاوية حتى شكاه لعثمان فنفاه عثمان إلى الربذة.
وكالذي قبض على عنق قريب للرشيد إذ كان دخله اليومي مائة ألف درهم في اليوم وقال له: إني لا أجد نصف درهم في اليوم أقتات به، وأنت تقبض مائة ألف لا تدري كيف تصرفها.
وكان لهؤلاء الصعاليك فضيلة، وهي أنهم كانوا يأخذون ما يأخذون في عزة نفس وإباء وشمم، علما منهم بأن هذا حق من حقوقهم، لا إحسان يصيبهم، ثم لا يستأثرون بما يأخذون، بل يؤثرون به من كان بهم خصاصة، ولو أنصف العرب لاستولوا على هاتين الفكرتين ونظموهما وفلسفوهما، وجعلوا منهما مؤسسات تؤدي أغراضهما، ولكن مع الأسف تركوهما فوضى، لا يخضعان لترتيب ولا نظام.
لقد وزعت المدنية الحديثة فكرتي الفتوة والصعلكة على مؤسسات عجيبة، فمثلا أخذت من الفتوة نجدتها، ومعونتها فوضعتها في نظام أطلقت عليه الكشاف، وجعلت للإحسان نظاما خاصا حتى لا يعطى المال لمن لا يستحقه. ولم تكتف بالمال يصرف على الفقراء، بل أنشأت المستشفيات والمدارس والجامعات، وأوجدت هيئات توجب عملا لأهل البطالة وهيئات أخرى للتدخل في النزاعات التي تقوم بين العمال وأصحاب رءوس الأموال إلى غير ذلك.