تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فترى في هذا أن العلاقة بين الفتوة والصعلكة كانت في القديم. يجمع الفتيان والصعاليك جامعة الشباب والنجدة، غير أن الفتيان أولاد الأغنياء والصعاليك أولاد الفقراء.

وقد ألف الجاحظ فيما يحكى عنه رسالة في لصوص العرب، ولكنها مع الأسف مفقودة، وعقد صاحب محاضرات الأدباء فصلا في اللصوصية وما يجري مجراها، عدد فيه أنواع التلصص، ومما رواه من شعرهم:

وإني لأستحي من الله أن أرى

أطوف بحبل ليس فيه بعير

وأسأل ذياك البخيل بعيره

وبعران ربي في البلاد كثير

ويقول آخر:

وكم بيت دخلت بغير إذن

وكم مال أكلت بغير حل

ويقول آخر:

وعيابة للجود لم تدر أنني

بإنهاب مال الباخلين موكل

غدوت على ما احتازه فحويته

وغادرته ذا حيرة يتململ

ولهم في هذا التلصص قوانين ظريفة مثل عدم سرقة الجيران، واتقاء الحرم، وإنما يسرقون مال البخلاء والغشاشين والجاحدين للودائع ونحوهم.

ويقول بعضهم:

سأبغي الفتى إما جليس خليفة

يقوم سواء أو مخيف سبيل

وأسرق مال الله من كل فاجر

وذي بطنة للطيبات أكول

وكان أحد اللصوص ينصح زملاءه بالمران على السرقة، والصبر على الضرب، ورواية أشعار الفرسان، والتحدث بمناقب الفتيان، وبأن يكون اللص جريئا، صاحب حركة وفطنة وطمع وهم يقولون: إنهم أحسن حالا من الحاكم المرتشي، والقاضي الذي يأكل أموال اليتامى.

والتلصص أعم من التصعلك، فكل متصعلق لص، وليس العكس فلا بد للمتصعلك من أن يكون ذا مروءة، وألا يسرق إلا من الأشحاء البخلاء، ويعين الضعفاء كما ذكرنا قبل.

وأما في الإسلام فقد اختفت الصعلكة كفرقة، وظهرت فرقة تشبههم وهم الشطار. احتفظوا بوسائل الصعاليك من سلب ونهب، ولم يحتفظوا بالغاية.

وظلت كلمة الصعلوك أيضا على الألسنة تدل على الفقر ومن أمثالهم: «تروح فين يا صعلوك بين الملوك» وهكذا تتطور الكلمات كما تتطور الأحداث ويكون لها في كل عصر معنى.

وبعد ذلك كنا نتساءل: ماذا استفاد العالم العربي من الفتوة والصعلكة في عصوره المختلفة؟ ونجيب عن هذا السؤال فنقول: إنه استفاد فوائد كثيرة:

أولا:

إنه استفاد من الفتوة تقوية الناحية الفنية، فقد كان للفتيان مجالس يلجأ إليها المغنون، ويتعرفون عليها، ويحيون أوقاتهم فيها بالغناء، ويجدون فيها مطعمهم ومشربهم، كالذي حكي لنا عن إبراهيم الموصلي، فقد قصد إليهم وهم في حماة، وتعرف به إذ ذاك الخليفة المهدي، فكان هذا سبب نعمته، وشهرته الواسعة فيما بعد.

ثانيا:

تأقلم معنى الفتوة في الإسلام، فكانت مصدرا لفضيلتين كبيرتين؛ إحداهما الكرم، كما رأينا في زوايا الأتراك وحسن ضيافتهم كما حكى لنا ابن بطوطة. والثانية الفروسية.

وهذه الفروسية أتت في العصر الجاهلي من أن الفتيان كانوا في الجاهلية يعيشون عيشة فخفخة ووجاهة، ويودون السمعة الحسنة بالإغداق على الفقراء، وخصوصا الشعراء منهم، ويتطلبون الثناء فكانوا يكرمون، وينحرون الجزور، ويشعلون النار للضيفان ونحو ذلك.

فلما جاء الإسلام كان في تعاليمه ما يشجع الفتوة، من مثل إعطاء الفقير، ورفع الظلم عن المظلوم، وإعلاء شأن المرأة، والجنوح إلى السلم إذا جنح العدو إليه. ووصية أبي بكر لقواد جيوشه مشهورة في أن لا يقتلوا شيخا ولا طفلا ولا امرأة، وأن يعاملوا أهل الذمة معاملتهم لأنفسهم، وأن لا يحرقوا نخلا. واستمرت تعاليم الفروسية هذه حتى أزهرت أيام صلاح الدين في الحرب الصليبية، ونرى أن المسيحيين عندما فتحوا بيت المقدس، نكلوا بالمسلمين كل التنكيل وعذبوهم عذابا لا مزيد عليه. فلما استعادها صلاح الدين قبل الفداء، وأعتق من لم يقدر عليه، وأطلق سراح كثير من النساء من غير مقابل، وزادوا في حرية المرأة واحترامها لأنه كان لهم في الإسلام مثل حسن، وهم بنو عذرة الذين كانوا يحترمون النساء احتراما شديدا ويحبونهن حبا أفلاطونيا، وهو المسمى بالحب العذري.

الصعلكة والفتوة في الإسلام · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الصعلكة والفتوة في الإسلامص ٢٢