تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والثاني: أن الفتوحات الإسلامية أدرت عليهم الخير الكثير، فمن كان يمكن أن يكون صعلوكا أصبح يمتلك الجواري والعبيد والدور والبساتين، فلم يكن له حاجة إلى التصعلك الذي هو نتيجة الفقر والبؤس.

وربما كان الفقير الذي لا يملك شيئا يجد في الزكاة التي فرضها الإسلام ما يغنيه عن التصعلك الذي عرفنا أساسه، وهذا لا يمنعنا من أن نرى هنا وهناك بعض اللصوص الصعاليك من البدو يخطفون وينهبون ويسلبون ويقطعون الطرق، لكن في غير نظام.

ثم نرى إذا تقدمت الدولة العباسية جماعة سلابين نهابين يسمون العيارين أو الشطار، يعيثون في الأرض فسادا، ويعملون عمل الصعاليك في الجاهلية. غاية الأمر أن الصعاليك كانوا يعيشون في الأرض فسادا أيضا، ولكن يعوض فسادهم أنهم كانوا لا ينهبون إلا من ثبت شحه ودناءته، وإذا نهبوا وزعوا ما نهبوه على أمثالهم بالتساوي. أما هؤلاء الشطار فكانوا ينهبون ما قدروا عليه ويتعدون على الأغنياء من غير تفرقة بين كريم وليئم ثم لا يوزعون ما نهبوه.

يقول ابن جرير الطبري في حوادث سنة 201: «إن الشطار الذين كانوا ببغداد والكرخ آذوا الناس أذى شديدا، وأظهروا الفسق وقطعوا الطريق وأخذ النساء والغلمان من الطرق، فكانوا يجتمعون فيأتون الرجل فيأخذون ابنه فيذهبون به فلا يقدر أن يمتنع، وكانوا يسألون الرجل أن يقرضهم أو يصلهم فلا يقدر أن يمتنع عليهم، وكانوا يجتمعون فيأتون القرى فيكاثرون أهلها ويأخذون ما قدروا عليه من متاع وغير ذلك، لا سلطان يمنعهم، ولا يقدر على ذلك منهم؛ لأن السلطان كان يعتز بهم، وكانوا بطانته، فلا يقدر أن يمنعهم من فسق يرتكبونه، وكانوا يجبون المارة في الطرق وفي السفن ويأخذون الأجور على خفارة المساكن، ويقطعون الطرق علانية، ولا أحد يقدر عليهم، وكان الناس منهم في بلاء عظيم، فلما رأى الناس ذلك وما قد أخذ منهم، من متاع الناس في أسواقهم وما قد أظهروا من الفساد في الأرض والظلم والبغي وقطع الطريق، وأن السلطان لا يغير عليهم، قام صلحاء كل ربض وكل درب، فمشى بعضهم على بعض وقالوا: «إنما في الدرب الفاسق والفاسقان إلى العشرة، وقد غلبوكم وأنتم أكثر منهم، فلو اجتمعتم حتى يكون أمركم واحدا لقومتم هؤلاء الفساق، وصاروا لا يفعلون ما يفعلون من إظهار الفسق بين أظهركم.» وقام رجل من ناحية الأنبار يقال له خالد فدعا جيرانه وأهل بيته وأهل محلته على أن يعاونوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأجابوه إلى ذلك، وشد على من يليه من الفساق والشطار، فمنعهم مما كانوا يصنعون وقاتلهم وهزمهم وأخذ بعضهم فضربهم وحبسهم، وسمي هؤلاء الآخذون على يد الفساق بالمتطوعة، فترى من هذا أن عمل هؤلاء الفساق أشبه بعمل الصعاليك، لولا أنه تنقصهم المروءة والنبل، فعمل المتطوعة كعمل أهل حلف الفضول وقد ذكرنا قبل صلة حلف الفضول بالصعلكة.

وربما عد ما يشبه الصعلكة عمل الزنوج في ثورتهم المشهورة بثورة الزنج، فإنهم في الأصل كانوا زنوجا يعملون في الكسح في المراحيض. وقد سئموا بؤسهم وفقرهم فدعاهم داع إلى أن يثوروا على سادتهم وأن يأنفوا الذل والفقر ويأخذوا من أغنيائهم ما يستطيعون، وربما كانت هذه المروءة التي تنقصهم وتنقص الشطار سببها أن أكثر الشطار والزنج قد فقدوا عنصر العروبة، فكانوا إما فرسا أو أتراكا أو زنجا، ومن المسلم به أن العرب أميل إلى الكرم، وكانوا في حياتهم يكادون لا يعدون فضيلة إلا الشجاعة والكرم.

أما العناصر الأخرى التي ذكرناها فليس لها مثل كرمهم. ولعل هذا هو السبب في أن الصعلكة أخيرا فقدت الكرم والنبل.

وكانت كلمة الشاطر تطلق على الخبيث الفاجر وفي القاموس: «الشاطر: من أعيا أهله خبثا.» ثم أطلقت كلمة الشاطر على الماهر في أي صنعة، وربما كان هذا المعنى قديما أيضا ؛ ففي ألف ليلة وليلة من يسمى الشاطر حسن أي الماهر، وفي لساننا اليوم تطلق كلمة الشاطر بهذا المعنى. فيقولون في أمثالهم: قيراط بخت ولا فدان شطارة (أي مهارة). ويقولون: ما يقع إلا الشاطر. ويقولون على الفتاة: حلوة وشاطرة ولا لهاش بخت. وهكذا.

الصعلكة والفتوة في الإسلام · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الصعلكة والفتوة في الإسلامص ٢١