تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا ملخص عبارة الجبرتي بمعناها لا بنصها. وقد أطال في ذلك كثيرا.

وهذه حادثة من حوادث كثيرة خرجت فيها الفتوات أو الزعر أو الشطار أو الغوغاء على الفرنسين وقتلوا منهم، وجعلوا حكمهم للبلاد عسيرا مما يطول شرحه. ولذلك تعلم الإنجليز من هذه الحوادث، فكتموا أنفاس هؤلاء الفتوات وقتلوهم أو سجنوهم، وقلموا أظافرهم بأخذ الأسلحة منهم حتى العصي والسكاكين.

ثم سلط عليهم الحشيش والخمر فذهب بأسهم.

وقد أكثر أهل العلم والأدب من الكتابة في نظام الفتوة. وهذا بيان بعض ما ألف فيهم.

من ذلك كتاب الفتوة لأخي أحمد الأردبيلي، وطرائف الطرف لمحمود بن محمد، وآداب الأخي لشهاب الدين السهروردي، وفصول في كتاب نغمات الأنس للجاني في مادة أخي، وفصل في كتاب تاريخ أهل المظفر، وبعض رسالات كتبت في الفتوة بالتركية، وفصل في كتاب الأوامر العلائية في مدائح أصحاب الفتوة السياسية والأجواد، وكتاب للمبارك بن خليل الخازنداري المسمى آداب السياسة بالعدل ... إلخ.

وفي العصور الأخيرة ألف بعضهم كتابا اسمه مذكرات فتوة.

وربما كان قريبا من نظام الفتوة في أيامنا هذه جمعية الإخوان المسلمين، وهي جمعية أكثر أتباعها من الشبان المسلمين، بدءوا أمرهم بتعليم الشبان الفضائل عن طريق الدين، والحق أن الناظر إليهم كان يراهم أميز من زملائهم من حيث الفتوة والرجولة والتخلق بالأخلاق الحسنة. ثم دعتهم الظروف المحيطة بهم أن يتحزبوا كما تحزب الشبان والتابعون للأحزاب الأخرى، فتظاهروا كما تظاهرت الأحزاب الأخرى. وأيدوا الحكومات أحيانا وعارضوها أحيانا تبعا للظروف والتعليمات، ثم تطوروا تطورا آخر، فكان منهم محاربون، وكان منهم فدائيون؛ فبدءوا يقتلون بعض من يخالفهم، كما فعلوا في القاضي الذي حكم على بعضهم، وبدءوا أيضا ينسفون بعض بيوت الهيئات السياسية وبعض المحال التجارية الأجنبية، ثم جهزوا تجهيزا حسنا من قنابل وآلات استقبال وإذاعة، ونحو ذلك.

وكونوا من بعضهم خلايا كخلايا الشيوعية، لا يعرف أعضاء الخلية أعضاء خلية أخرى، ثم اضطرت الحكومة المصرية لحلهم، فكان من جزاء رئيس الوزارة الذي حلهم وهو النقراشي باشا أن يقتل، فكان جزاء وفاقا أن يقتل رئيسهم أيضا، وهو الشيخ حسن البنا. وكان من شأنهم أن جاهد بعضهم وأبلوا بلاء حسنا في حرب فلسطين، وفي حرب الإنجليز في قناة السويس. وبذلك انقلبت من جمعية إصلاحية للأخلاق والنظام الاجتماعي من وعظ وإرشاد وتثقيف وتعليم، ومعاونة للفقراء إلى نوع كالذي ذكرناه من قبل عن الفتوة العسكرية.

وفي نظرنا أنه قد أضعفها هذا التطور الأخير، وهو التطور العسكري، فإنها بذلك زاحمت الأحزاب السياسية الأخرى وشاركتهم في الرغبة في الحكم، فقاتلوهم وحاربوهم وسجنوهم. وكان من رأينا أن يبقوا بعيدين عن المغامرات السياسية، دعاة إصلاح أخلاقي واجتماعي. ولو استمروا على ذلك لثبت بنيانهم، وامتد نفوذهم. ولكن لله في خلقه شئون. ووجه الشبه بينهم وبين نظام الفتوة ظاهر حتى في تنظيمهم ودعوتهم للإصلاح الاجتماعي ومساعداتهم للفقراء والمساكين، ثم في تسلحهم الذي يشبه الفتوة العسكرية، كالتي رأيناها عند الناصر لدين الله وأشباهه من رجال الحروب الصليبية ورجال الفروسية. وقد كان لهذه الجمعية أتباع في الشام والحجاز والعراق، يأتمون بإمامهم ويتبعون تعاليمهم. وهم لا يزالون إلى يومنا هذا، وقد عقد وكيل النيابة الذي ترافع في قضية الخازندار مقارنة بين نظامهم ونظام الإسماعيلية وأطال في ذلك، والله بمستقبلهم عليم.

هذا ما يتعلق بسلسلة الفتوة من الجاهلية إلى الإسلام إلى اليوم. أما الكلام في الصعلكة فإنا نرى التصعلك خفت بعد ذلك لسببين؛ أولهما: أن الإسلام بتعاليمه نهى عن السلب، وكان في الغزوات المشروعة غنية عنهما، فلم يمكن أن تكون الصعلكة نظاما ثابتا منتشرا.

الصعلكة والفتوة في الإسلام · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الصعلكة والفتوة في الإسلامص ٢٠