ومن ذلك ما حكاه الجبرتي أيضا في ترجمة الشيخ حسن الكفراوي، فقد كان صديقا للشيخ صامودا المنجم؛ فرأى أحد المماليك على عضو زوجته كتابة، فسألها عنها فقالت له: قد كتبها الشيخ صامودا ليحببك في. فقال لها: إنه إذا رضي أن يطلع على عضوك. ثم أمسكه وقتله وشهر به وبالعلماء، وشهر بصديقه الشيخ الكفراوي، فاضطهد الشيخ اضطهادا كبيرا ألجأه إلى أن يحتمي بفتوة حي الحسينية، إذ كان الشيخ يسكن فيه وهو الحاج عمر الجزار، ليمنع عنه أذى الناس، وتزوج ببنته.
ويمتاز الفتوة بهذه الصفات التي ذكرناها وبأنه يتبجح بشجاعته، ويؤذي من لم يحتم به. وزفة الحي لا تخرج إلا بحمايته وضمانته، فيتصدر زفة العريس أو المطاهر هو وأتباعه، ويمنع عنها أي شخص من حي آخر يعمل عملا يفسدها. كما أن من أعماله أن يتعرض لزفات الأحياء الأخرى. ويوقفها ويطلب من الزمارين والطبالين أن يطبلوا له ولزملائه، ويزمروا على حد تعبيراتهم «عشرة بلدي» وهو يرقص على الزمارة، فإذا أجابوه إلى طلبه فبها، وإلا ضرب هو وزملاؤه الزفة وأفسد كيانها، وقد يقع في المعركة بعض الجرحى. ومن أعماله أيضا أن يحمي صبيا في مدرسة من أن يعبث به أي رجل آخر غيره، ويخالل امرأة يحميها، وقد يتزوجها، ويكون معروفا بين زملائه أنها في حمايته لا يتعرض لها أحد، ولا يشاغلها أحد. وإذا قصده أحد في أمر قضاه له مروءة، وإذا اجتمع مع زملائه في قهوة أو في خمارة صرف عليهم كل ما يطلبون وسمي هذا جبا فلان.
ومما يمتاز به هؤلاء الفتوات أيضا لغتهم، فلهم لغة خاصة كجمعهم تلميذ على تلاموذ، فيقولون: عملنا اليوم مظاهرة مع التلاموذ. وكقولهم: أنا أضربه وأضرب اللي يشدد له. ومعنى اللي يشدد له، الذي يحميه.
وهكذا في لغتهم الخاصة ويكثر في كلامهم كلمة الفتونة، ويرون أنه لا عار على الفتوة أن يحبس ويسجن ويقتل؛ لأن هذه كلها زكاة ما وهبه الله من القوة، وقد سمعت أن فتوة من هؤلاء نصح أن يترك هذه الأمور ويستقيم فقال: وما قيمة هذه الفتونة إذا، واستمر في طريقته، وسجن وعذب.
وكثيرا ما يكونون حشاشين أو سكرية على حد تعبيرهم. وإذا لعب بهم السكر أفسدوا ما شاءوا. وأكثر ما يظهرون أيام الأعياد وأيام شم النسيم، فيعيثون في الأرض فسادا.
وأحيانا يتواعد فتوات أهل حيين على المقاتلة في جبل الجيوشي بالقاهرة، فيطلعون الجبل وينتصب الصفان، ويتضاربون بالنبابيت وبالحجارة.
وقد يخر بعضهم صريعا أو جريحا، وبعد انفضاض القتال يتصايحون، فيصيح أهل المنشية: نحن غلبنا أهل الحسينية، نحن الجدعان، ونحو ذلك أو العكس، ثم يتواعدون على يوم آخر يتقابلون فيه. وإذا لم يحضر أحد الفريقين كان إعلانا له بالهزيمة.
ثم ضجت الحكومة من هذه الأحوال خصوصا بعد أن دخلها الإنجليز واجتهدت في القضاء على الفتوات كما قضى عليهم الخمر والحشيش. وكان هؤلاء الفتوات يسمون أيضا البلطجية. وفي الإسكندرية يسمى كل واحد منهم «أبا أحمد» وفي سوريا «قبضايا».
وقد كان هذا آخر عهدنا بالفتوة والفتيان بعد أن كان لقبا جميلا. ولو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا لسمينا فرق الكشافة بنظام الفتوة، لأنها به أليق، والاسم أجمل ولكن ما فات لن يعود.
وهؤلاء الفتوات كان لهم أثر كبير في إقلاق راحة الفرنسيين أو الحملة الفرنسية على مصر، فإنهم استطاعوا أن يقضوا مضاجعهم ويقلقوا راحتهم، ويفسدوا حكمهم، وقد جاء في الجبرتي أن الفرنسيين أرادوا أن يفرضوا بعض الضرائب على الأملاك والعقارات، ونشروا إعلانا بذلك، فلما أشيع ذلك كثر لغطهم واستعظموه، فتجمع الكثير من الغوغاء وعزموا على الجهاد وأبرزوا ما كانوا أخفوه من السلاح، وخصوصا على حسب تعبيره «حشرات الحسينية» وزعر الحارات البرانية، وهم يصيحون: «نصر الله الإسلام» (والزعر هم الفتوات أو الشطار فكلها مترادفة). وذهب نحو الألف أو أكثر إلى بيت القاضي، وأوقفوا حجابه ورجموه بالحجارة والطوب، فلما بلغ الفرنسيين ذلك ذهب قائد منهم بجنوده، وقد كان هؤلاء الفتوات قد حفروا المتاريس وتترسوا بها، وازداد الحال سوءا، وامتدت يد الغوغاء إلى النهب والخطف والسلب، ونهبوا دور النصارى والشوام والأروام، وسبوا النساء والبنات، واختطفوا الأمتعة وقتلوا كثيرا من الجنود الفرنسيين، فلما أصبح الصباح أحضر الفرنسيون جميع الآلات من المدافع والقنابر والبومبات. ولما ضربوها صاح الناس: يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف. وذعروا من المدافع لأن أهل هذا الحي لم يروها من قبل، ومع ذلك ظل هؤلاء الفتوات يقاتلون الفرنسيين وينهبون ويسلبون حتى ضاق بهم الفرنسيون ذرعا. وهجموا على الأزهر وداسوا بالنعال وربطوا أفراسهم في القبلة. وأضاعوا كثيرا من الأنفس والأموال. ولم يستقر الأمر إلا بعد تعب كبير. وكان ممن اتهم بهذه التهمة رجل اسمه إبراهيم أفندي، وتهمته كما يقول الجبرتي: «إنه كان قد جمع جمعا من الشطار وأعطاهم الأسلحة. وكان عنده أيضا عدة من المماليك المخفيين والرجال المعدودين فقبضوا عليه وحبسوه.»