تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الفتوة الكرمية أو كما يسمونها الجودية، فتتجلى فيما حكاه ابن بطوطة في رحلته إذ قال: إن هذا الإقليم المعروف بالأناضول من أحسن أقاليم الدنيا وقد جمع الله فيه ما قد فرق من المحاسن في كل باب، فأهله أجمل الناس صورا وأنظفهم ملابس، وأطيبهم مطاعم، والفتيان بجميع البلاد التركمانية الرومانية في كل مدينة وقرية.

ولا يوجد في الدنيا مثلها احتفالا بالغرباء وأسرع إلى إطعام الطعام وقضاء الحوائج. والأخذ على أيدي الظلمة ومن لحق بهم من أهل الشر. ويسمون الفتى «أخي» فيقولون: أخي عز الدين، وأخي علاء الدين، وأخي علي بك أي الفتى فلان. ويسمون الفتوة (أخية) على وزن شهية، ويقول ابن بطوطة ما مفاده: إنه في كل بلد دخله في الأناضول وجد هؤلاء الفتيان وهم منقسمون أقساما بحسب حرفهم، فالحلاقون والبزازون ... إلخ. ولهم شيخ عليهم، ولهم زاوية نظيفة في كل بلدة، مفروشة بالبسط وهم يشتغلون في صناعتهم بالنهار، ثم يعطون ما كسبوه إلى شيخهم وهو يحضر لهم الطعام والفاكهة والحلوى. وهم يفرحون بإضافة الضيوف والغرباء، فهم على هذا الوضع أشبه ما يكونون بنقابة عمال يعيشون عيشة اشتراكية. وكان ابن بطوطة كلما دخل بلدة من بلاد الأناضول سأل عن الأخية، وكثيرا ما حكى أن أهل هذه الأخية تنازعوا، وقد أشرف نزاعهم على الحرب، من أجل تزاحمهم في طلب ضيافته. وقد عثر على وقفيات كثيرة تثبت أن الأغنياء كثيرا ما وقفوا الأوقاف الكثيرة على هذه الأخيات.

فمثلا وجد في إحدى الوقفيات أن هذا الغني وقف أملاكه على أولاده، على أن يكون في قرب مرقده زاوية، ولتلك الزاوية شيخ وناظر من أولاده الذكور ثم الإناث، وأن يصلي الشيخ فيها خمس صلوات يدعو له في عقبها، ويذكر الله في ليلة الجمعة والاثنين، وبعد صلاة الصبح تقرأ سورة يس وبعض الأوراد. وشرط الواقف أن يكون الشيخ صالحا متقيا متورعا، صاحب عزلة وقناعة وصاحب أخلاق حميدة، ويجلس في الزاوية كل يوم، ويعطى له من الغلة في كل يوم درهم، وما بقي بعد ذلك يصرف على المستشفيات، وبعضها على ضيافة الضيوف. وقد عثرت على ميزانية لأخية من هذه الأخيات، صورتها ما يأتي:

الوارد

ج

7650

بدلات إيجار

7900

أرباح نقود

550

بدل حصة من الأوقاف

110

الفائض من العام الماضي

500

من الوصايا

900

بدلات إطعامية

275

دخوليات

2700

تبرعات الأصناف

1250

إعانات

75

أشجار

21910

المجموع

المنصرف

ج

800

للتعمير والترميم

2050

بدل الدكان المبتاع

700

أجرة الثلج في موسم الصيف

600

أجرة لقراءة المنقبة النبوية

15500

مصاريف الأيام الثلاث

680

فحم لفقراء البلدة وأهل الصناعة

1200

خبز للفقراء في رمضان

600

باصمة للأيتام والأرامل في العيدين

350

أجرة التداوي لفقراء أهل الحرف وعائلاتهم

170

للتجهيز والتكفين

1100

للمسافرين

1800

الصدقات اليومية

250

معاونة للواعظين في الشهور الثلاثة

850

لأدلاء الحرمين والشرفاء والشيوخ

400

لصرة الحرمين

380

لترميم طاش كوبري

350

معاونة لحسن أغا المحترق دكانه

100

أجرة القربان

45

لإيقاد القناديل في رمضان والليالي المباركة

300

للختم الشريف

350

لقراءة البخاري الشريف والشفا

150

لتعمير زقاق السوق

250

أجرة الحاكم للنظارة

1200

أجرة التولية

1500

لمعلمي مكاتب الصبيان

500

للفحم والحصر للمكاتب

360

الأجرة السنوية للمنادي

450

لناظر الماء

240

لحارس البدستان

240

أجرة للإطفائية

600

مصاريف اللاونجة

20115

المجموع

يؤخذ من هذا أن أكثرها مصاريف للخيرات المختلفة حسب عقليتهم في زمانهم، ولا يستصغرن قارئ هذا المبلغ؛ لأن المال لا يقدر بالعدد ولكن بقدرته على الشراء كما يقول الاقتصاديون، وقد كان هذا المبلغ في زمنه يساوي أضعافه في زماننا، وهذا الوارد والصادر من أخية واحدة، ومثلها كثير.

والمؤرخون الأتراك ترجموا لبعض أصحاب الفتوة وسموا الفتى أخي فلان، ففي بعض كتبهم مثلا أخي حسام الدين، وهو صاحب الفتوة والمروءة والمعروف بالسخاء والشجاعة والزهد والعبادة، وإطعام الطعام للمساكين وإكرام العلماء والفقهاء، وحسن السيرة وصدق الحديث. قليل الكلام. لا يسمع منه أحد كلمة كذب ولا غيبة. لا يخوض في كلام لا طائل تحته، آمر بالمعروف ناه عن المنكر. لبس الفتوة من أبيه سيد شمس الدين. وأخذ منه الفتوة خلق كثير. مات في شوال سنة 695. ويقولون أيضا: أخي كمال الدين، وهو صاحب الفتوة والمروءة، معروف بحسن الخلق والديانة والتقوى، متواضع، خادم للفقراء، حمول، ساع في حوائج الناس، له الكلمة عند السلاطين والأمراء والكبراء. محبوب الخلق والخلق، لبس الفتوة من أخيه «أخي حسام الدين» ... إلخ.

الصعلكة والفتوة في الإسلام · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الصعلكة والفتوة في الإسلامص ١٦