تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس الفتى كل الفتى عندنا

إلا الذي ينهى عن الفحش

يأتي إلى الإسلام من بابه

ويتبع الحق بلا غش

ليس الفتى من ضرب بالسيف والسكين. الفتى من أطعم المسكين الضعيف والمسكين، وليس الفتى من أقام الشنائع، وشهر على الأمة السلاح، فالفتى من جمع الكلمة ودعا إلى الإصلاح.

فإن احتج للفتوة بأخذها عن الخليفة، قلنا: إن صح فبدعة أحدثت كتقبيل العتبة الشريفة، وإنما يصح الاقتداء بالخلفاء الراشدين الذين أخذ عنهم العلماء الدين.

وكم أفتى بتحريم الفتوة عال وكم ولي، ولو صحت عن أمير المؤمنين لكانت في القوة كجلمود صخر حطه السيل من عل، ولولا خوف التطويل لذكرت ما عليها من دليل، وقد سماها بعض شياطين الإنسان فتوة، قصر الله عمره فلا حول ولا قوة. •••

وقد ورث هذه الفتوة بهذا المعنى بعض المماليك في مصر، فإنهم كانوا يتعلمون الأعمال الحربية ويتمرنون عليها، ويتخذون من الصيد وسيلة لتعلم الفروسية، وفي عصر من العصور كان هؤلاء المماليك ينقسمون إلى قسمين: ذي الفقارية والقاسمية، واتخذوا لذلك شارات، فالفقارية اتخذت شعارها البياض في الثياب والركاب، حتى أواني المأكولات والمشروبات، والقاسمية اتخذت شعارها الحمرة في كل شيء من ذلك، وكان بين الفريقين من الفروسية والألعاب والقتال ما كثر ذكره في الجبرتي وغيره.

ويقول الجبرتي أيضا: إن القرن الثاني عشر استهل وأمراء مصر فقارية وقاسمية، وكان هؤلاء المماليك يشترون المماليك الصغار أو يأسرونهم ويعلمونهم حسب استعدادهم، ويقسمونهم أقساما، قال المقريزي: أول ما يبدأ به تعليمه ما يحتاج إليه من القرآن، فكانت كل طائفة لها فقيه يحضر إليها كل يوم، ويأخذ في تعليمها كتاب الله، ومعرفة الخط والتمرن بآداب الشريعة، وملازمة الصلوات والأذكار.

فإذا شب الواحد من المماليك علمه الفقيه شيئا من الفقه، فإذا صار إلى سن البلوغ، أخذ في تعليمه أنواع الحرب من رمي السهام ولعب الرمح ونحو ذلك.

فيتسلم كل طائفة معلم، حتى يبلغ الغاية في معرفة ما يحتاج إليه، وإذا ركبوا إلى لعب الرمح، أو رمي النشاب، لا يجسر جندي ولا أمير أن يحدثهم أو يدنو منهم، وبعد ذلك ينقل إلى الخدمة ويتنقل في أطوارها رتبة بعد رتبة، إلى أن يصير من الأمراء، فلا يبلغ هذه الرتبة إلا وقد تهذبت أخلاقه وكثرت آدابه، وامتزج تعظيم الإسلام وأهله بقلبه، واشتد ساعده في رماية النشاب، وحسن لعبه بالرمح، ومرن على ركوب الخيل.

ومنهم من يصير في مرتبة فقيه عارف، أو أديب شاعر، أو حاسب ماهر، وإذا اقترف ذنبا أو أخل برسم، أو ترك أدبا من آداب الدين أو الدنيا عوقب عقوبة شديدة بقدر جرمه، ولذلك كانوا سادة يدبرون الممالك، وقادة يجاهدون في سبيل الله.

وبلغت عدة المماليك السلطانية في أيام الملك المنصور قلاوون ستة آلاف وسبعمائة، فأراد ابنه الأشرف خليل تكميل عدتها عشرة آلاف مملوك، وجعلهم طوائف، ثم شغف الملك الناصر بجلب المماليك، وبعث في طلبهم من سائر البلاد وبذل الرغائب للتجار في حملهم إليه، ودفع فيهم الأموال العظيمة، وبلغت نفقات المماليك كل شهر إلى سبعين ألف درهم، ثم تزايدت حتى صارت في سنة 741 مائتين وعشرين ألف درهم. •••

وانتقلت الفروسية في الحروب الصليبية إلى الغربيين، وثار جدل طويل بين الباحثين، هل انتقلت الفروسية الغربية من الفروسية العربية مما شاهدوا من مثل صلاح الدين ونور الدين وأسامة بن منقذ، أو هم أخذوها من التقاليد والعادات الألمانية؟ ولا مجال هنا لسرد حجج كل فريق، وكل الذي نريد أن نقوله إن الفروسية سواء كانت عربية أو غربية تتضمن الشجاعة والإتيان بأعمال البطولة والكرم والسماحة والعفو عند المقدرة، واحترام المرأة، ووفاء العهد وحماية الضعفاء، وهذه كلها صفات الفتوة العسكرية. •••

الصعلكة والفتوة في الإسلام · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الصعلكة والفتوة في الإسلامص ١٥