فنرى من هذا أن هذه الفتوة تشبه نقابات العمال، على شرط أن تكون اشتراكية. وقد كانوا ينظمون هذه الصناعات من مبتدئ تلميذ وصانع ورئيس وهكذا. وهم يشترطون شروطا في كل مرحلة، فالمبتدئ وإن شئت فسمه التلميذ، كان يبقى عدة سنين بلا أجرة، ويعلل أهله أنفسهم بأنه سوف يكون عاملا ثم تدفع له أجرة كل أسبوع مناسبة لمهارته. ولكنه يستمر حاملا اسم أبيه إلى أن يدخل في سن الرجولة، أو يصل في صنعته إلى حد الإتقان، فيسمى صانعا، ولكن لا يسمح له أن يفتح محلا وحده لحسابه، إلى أن يدشن الصانع، ويعترف بأهليته وتسمى هذه العملية في لسان الأتراك «عملية الشد»، ولا يشد إلا إذا كان مبتعدا عن المنكرات ملتحيا. وإذا استعد للشد أعطى عرقا أخضر، ومعنى هذا أنه يجب عليه أن يولم وليمة لرفقائه. والغالب أن يكون العرق الأخضر من الريحان. والعادة أن شاويش الحرفة يقطع أول عود من شجرة خضراء يراها إما ريحانة أو غيرها، فيأخذ الصانع منه العرق ويقبله. ويضعه على رأسه فيأخذه الشاويش عند ذلك إلى شيخ الحرفة ويخبره بأمره. فيقيدون اسمه مع زملائه الذين يستعدون للشد أيضا، فيدعو رفقاءه وشيوخ الحرفة وشيخ المشايخ. والشد يكون في أحد البساتين ليلا أو نهارا ويتبادل معهم شيخ الحرفة السلام ثم يقول النقيب: «يا إخواني» لنبدأ عملنا. فيصمت الجميع ويأخذه الشيخ إلى غرفة ثانية ويشده بطريقة معينة، ذلك أن يحضر الطالب مكتوف اليدين، ويوقفه الشاويش في الوسط على بساط أخضر ويجعل إبهام رجله اليمنى على إبهام رجله اليسرى، ثم يقول النقيب للشاويش: اجعله يقرأ الفاتحة بصوت عال. ويكون جميع الحاضرين جالسين على ركبهم، مطرقي رؤوسهم، ثم يطلب النقيب من العامل الفاتحة ثانية، ثم يذكر النبي
صلى الله عليه وسلم
ويصلي عليه، ثم يتلو الصانع الفاتحة مرة ثالثة، فبعد أن يفرغ منها يسلم النقيب على الحاضرين من الزوار، ويسلم سبع سلامات، سلاما على الحاضرين، وسلاما ثانيا على أهل الحرفة وشيوخها وسلاما ثالثا على أهل الميمنة وسلاما رابعا على الميسرة، وسلاما خامسا على السادات، وسلاما سادسا على الإصلاح، وسلاما سابعا على الأحباب ... ثم يلتفت إلى المشدود ويقول له: «أوصيك يا من تخاوي أو تعاهد بأداء فروض رب العالمين، وأن ترعى عهدك وشدك وسيشهد عليك حفظة السماء، وستكتب من يضيعه من المبعدين، وأختم كلمتي بمدح أحمد المختار أمام العالمين، آمين، يا رب العالمين.»
ثم يوثق النقيب بينهم ميثاق الأخوة، فيعتبر أهل الحرفة المشدود كأنه أحدهم، وأنه أخ لهم، وربما فضلوه على الأخ الحقيقي، وبعد ذلك يعين أحد الحاضرين أبا للمشدود على حسب الصنعة التي التحق بها، ويكون هذا أبا له والصانع ابنه، ثم يأخذ شيخ الحرفة في نصيحة المشدود، ويقول: «يا بني، إن جميع الحرف أهلها أمناء على الأعراض والأرواح والأموال. والأمانة هي الدين، فكن صادقا وأمينا. واعلم أن «كارك» مثل عرضك. حافظ عليه بكل ما تملك، وإذا استلمت أموال الناس فلا تفرط فيها، وإياك أن تخون أهل الحرفة، والخائن مسئول أمام الله.» ثم يلتفت إلى الحاضرين ويسألهم: هل هو يستحق الشد وأن يكون صانعا؟ فيقولون: نعم. وحينئذ يأخذ عليه هذه العهود ويركع أحدهما إزاء الآخر نصف ركعة بحيث تمس الركبتان اليسريان الأرض، وتنثني اليمنيان نصف ثنية، ويقترب بعضهما من بعض حتى يتلاصق الإبهامان اليمنيان، ويمسكان بيد بعض مسكة خاصة معروفة ويتعاهدان على الإخاء. ثم توزع الهدايا الموضوعة في صينية، وهي للنقيب لوح صابون، وقطعة من الشاش مطرزة، وخلة وعرق أخضر، ومنهم من يضيف إلى ذلك كيسا لوضع التنباك ومسبحة. والصابونة رمز لتنظيف اليدين من السرقة، والشاشة لمسح الفم ووقاية الأثواب والخلة لتنظيف الأسنان، والعرق الأخضر لتزال به رائحة الأكل من اليد. ثم يهنأ المشدود، وترتفع الأصوات بالتهليل، ويقولون مرارا: صلوا على عيسى وموسى ومكحول العينين. وقد تعد لذلك وليمة يعدها الصانع ويراعي فيها أن تكون بسيطة، ويسمون الأكل «التمليح» أي أكل الخبز والملح. والملح من قدم رمز للتعاقد والوفاء بالعهد.