وكان قاضي حماة في ذلك الزمن القاضي برهان الدين أبا اليسر، فأمره الملك المنصور بلبس سراويل الفتوة في المجلس، فلبسها، ولبسها جماعة له. وكذلك منع الدعوة بالبندق إلا له، والطيور المناسيب في جميع البلاد إلا له.
وأجاب الناس بالعراق وسائر الأمصار ما خلا رجلا واحدا راميا بالبندق من أهل بغداد، فإنه امتنع من إجابته وهرب من العراق وألحق بالشام. فأرسل إليه الخليفة يغريه بالأموال الجزيلة فلم يرض، وقال: يكفيني فخرا أنه ليس في الأرض أحد لا يرمي عن الخليفة إلا أنا.
وجاء في كشف الظنون: «إن الاحتفال بدخول الشاب في سلك الفتيان على عهد الناصر لدين الله كان مصحوبا بشرب كأس الفتوة، كما أخذ الناصر جنده بالتدريب المتواصل على فنون الرياضة البدنية المختلفة.»
وقال ابن تغري بردي في تاريخه: «إن الناصر لدين الله أرسل في سنة 622 رسلا إلى نور الدين وإلى الملك العادل شقيق صلاح الدين وإلى ابنه الملك الصالح وإلى الملك شهاب الدين حاكم غزة، ومعهم كأس الفتوة وسراويلها لكي ينتظموا في سلك فتيانه. وكأس الفتوة هذه ليست نبيذا ولا خمرا، وإنما هي ماء وملح.»
وقد ادعوا أن للفتوة سندا يتصل إلى علي بن أبي طالب ونحن نثبته وإن لم نثق به:
علي بن أبي طالب
أبو الفضل بن الترهان
سلمان الفارسي
النعس سلمان
صفوان بن أمية
شبل
حذيفة بن اليمان
الفضل بن زياد الفارسي
المقداد بن الأسود
الفضل
أبو العز التوبي
الملك أبو كاليجار
الحسن البصري
الملا ميراوي
الحافظ الكندي
ناصر الدين بن أبي نعجة
عوف الكناني
أبو علي الصوفي
أبو مسلم الخراساني
مهني العلوي
الشريف أبو العز
نعمان
هلال النبهاني
أبو الحسن بن الشاربان
بهرام الديلمي
أبو بكر الجحيش
روزبة الفارسي
عمر الرهاض
الأمير حسان بن ربيعة المخزومي
علي بن دغيم
الأمير جوش الغزاري
عبد الجبار بن صالح
أبو الحسن النجار
الخليفة الناصر لدين الله •••
على كل حال شاع نظام الفتوة العسكرية في هذا العصر، ووضعت له نظم كثيرة. ومما يدل على انتشارها الفتوى التي أصدرها ابن تيمية، وهل هي حلال أم حرام؟ وهل للفتوة أصل في الشريعة أم لا؟ وهل أحل أحد من الصحابة أو التابعين أو من بعدهم من أهل العلم هذه الفتوة؟ وقد أجاب ابن تيمية عن هذه الأسئلة فقال: «إن لباس الفتوة وإسقاء الملح والماء باطل لا أصل له. ولم يفعل هذا رسول الله ولا أحد من الصحابة، ولا علي بن أبي طالب ولا غيره من التابعين. والإسناد الذي يذكرونه عن طريق الخليفة الناصر إلى عبد الجبار إلى تمامه إسناد لا تقوم به حجة. وفيه من لا يعرف. وما ذكر من نزول هذا اللباس من السماء في صندوق هو من أظهر الكذب باتفاق العارفين.»
وكذلك مما يدل على انتشارها أن ابن الوردي الشاعر المشهور علق على فتوى في الفتوة بقوله: قد غاظني حتى هاضني، وحنقني حتى خنقني ما أحدثه أهل الجهل والابتداع، وسكت عنه العلماء حتى شاع في الرعاع وذاع، وهي البدعة التي يجب إعفاء رسمها، والنكرة المعروفة بالفتوة. وهي ضد اسمها، وكيف لا، وقد عكف عليها أتباع الضلال، ودعا إليها الجهال وأهل البطالة، يجمعون لها الجموع من الأنباط، ويحضرها المرد وأهل اللواط. فمنهم من يتصابى على سنه، ومنهم من يمشي على بطنه، وإن تنحنح ذو سطوة أجابوه بسكين وتكاثروا عليه، وإن أضمرت كلمة الحق ظهروا، ما أحقهم بالنفي عن الجنس، وما أولاهم بالكبس، وجعلهم كأمس، كبيرهم العاص يزيد تيها على الفرات، وهو عند الشريعة صغير. فيتصدر فيهم بغير علم ولا هدى، ولا كتاب منير. يلبسهم لباس شر، ولباس التقوى ذلك خير. ويسقيهم ماء له بالملح المذاب، وبئس الشراب، فيشقيهم بما يسقيهم، ويطغيهم بما يعطيهم، ويمد لهم خوانا، يجمع فساقا وخوانا، جمع ثمنه من القمار والدبر والحوك والنجامة، والكنس والحجامة. واشترط شروطا ليست في كتاب الله. والشيطان بغرور دلاه. وكما قال الشاعر: