ولما جاءت الدولة العباسية تسلط العنصر الفارسي أولا والتركي ثانيا، وكان لهم نظم في الفروسية غير النظم العربية البسيطة البدوية، فتسربت منهم إلى المسلمين. ورأينا المؤرخين يذكرون أن الرشيد أول خليفة لعب بالصولجان ورمى بالنشاب في البرجاس، والكرة والصولجان من ألعاب الفرس، ويقولون في المعتصم إنه غلب عليه حب الفروسية، والتشبه بملوك الأعاجم. وإنه قسم أصحابه للعب الكرة. ومعلوم أن المعتصم أول من استعان بالأتراك في أعماله، وقربهم إليه وجعلهم جندا. واشتهر في عصره بالتفنن في الصيد والقنص. وعدوه من أعلام الفروسية. واقتبسوا في ذلك من الفرس والأتراك. فعلموا الجوارح من الطير والكواسر من الفهود والكلاب. ووضعوا الكتب في جودتها وصفاتها، وطرق تعليمها وأمراضها وما يصلح كل واحد منها. وسموا العلم الذي يبحث في ذلك ب«البيزرة» وقال في ذلك الشعراء.
وأصبحنا نرى في كثير من دواوين الشعر بابا يسمى بالطرد وهو الصيد. ورويت القصص الكثيرة في أحاديث الفروسية. وقارن الكتاب بين فروسية العرب وفروسية الفرس والترك وغيرهم مما ليس هنا مجاله، ووضعوا القواعد لتعليم الفروسية وقالوا مثلا: «إنه يجب أن يبتدئ الصائد بالخفة في الوثوب والنزول، ثم يتدرب على ركوب الفرس العربي العريان بلا عدة سوى الرسن. قال المتنبي في وصف أمثالهم:
فكأنما خلقت قياما تحتهم
وكأنهم ولدوا على صهواتها
ثم يتعود الصائد ركوبها على اختلاف أنواع سيرهم ثم الصيد عليها وهكذا. وكذلك وضعوا التعاليم للقسي والنشاب والتروس وما إليها.
وكانت الوقائع بين المسلمين والروم في الثغور منشأ لظهور ضروب من الفروسية تستدعي الإعجاب، كما كانت الحروب الصليبية مصدرا كبيرا لذلك، ففي كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ، والروضتين لأبي شامة، وسيرة صلاح الدين لابن شداد، أمثلة كثيرة من الفروسية.
كما اشتهر في هذه العصور الإسماعيلية جاء في كتاب «آثار الأول» بعد أن ذكر قصة من فروسية بهرام: «ومثل هذا في المعنى رجال ببلاد الإسماعيلية ويسمون برجال الدعوة معدون لمثل هذا. فإن الرجل منهم أو الرجلين يغني عن حركات الجيوش الكثيرة، ويقال لهم في بلاد الإسماعيلية وفي بلاد الإفرنج «الحشيشية» وعند أهل الأقاليم «الفداوية» وهم قوم على دين الإسلام، وقد كان للملوك الإسلامية عناية بهم كبيرة.
وفي زمننا هذا عني بهم الملك الظاهر وسيرهم للأشغال الكبار، فضوها مع الفرنج، وفي قلاع الإسماعيلية في زمننا هذا ألف بهرام.»
ويظهر أن هذه الفتوة المدنية قد انقسمت إلى قسمين: فتوة عسكرية وفتوة كرمية، أو كما يسميها بعضهم فتوة جودية.
فأما الفتوة العسكرية فيظهر أنها ترعرعت في العصر العباسي الأخير لسببين: (1)
الحروب الصليبية وحاجتها إلى فرسان أبطال، يجدون في الحرب ضد الصليبيين، وقد أخرجت هذه الحروب عددا كبيرا أمثال نور الدين محمود بن زنكي وصلاح الدين وأسامة بن منقذ، وغيرهم. (2)
وجود بقايا الفاطميين من الفدائيين الملقبين بالإسماعيلية الذين كانوا يمرنون أبطالهم على قتل أعدائهم، أمثال الحسن بن الصباح وفتيانه. وربما كان عملهم هذا مبعثا لخصومهم على الفتوة العسكرية التي ذكرناها. وربما كانت أيضا هذه الفتوة العسكرية سببا في نظام الفروسية عند الإفرنج. وقد اشتهر بهذا النوع الخليفة العباسي الناصر لدين الله. فإنه نظم الفروسية والفتوة وقال فيه أحد المؤرخين: «إنه شيد بنيانها، ومهد أركانها، وألف أحزابها وأرشد طلابها، وأظهر أنوارها وأوضح برهانها، فبطلت النظم إلا ما شيده وبناه، وتعطلت المعاقل إلا ما اختاره واصطفاه، فهو شجرة الفتوة، وإمام الرحمة، فواصل وأوصل وأحسن وأجمل، وبه انتشر علم الفتوة بعد أن كان منتكسا، وميزهم على من سواهم بعد أن كانوا فرقا.»، وجاء في تاريخ ابن الفرات: «إن الناصر لدين الله كان يميل إلى رمي البندق، والطيور المناسيب، ولبس سراويل الفتوة. وكان سائر ملوك الأطراف يسابقونه في رمي البندق وفي الفتوة. فبطل الفتوة في البلاد جميعها إلا من لبس منه السراويل، ورمى له، فلبس سائر ملوك الآفاق سراويلات الفتوة له، ودعوا له في رمي البندق، ووصل رسول له على حماة في أيام المنصور الأيوبي صاحب حماة وأمره بأن يلبس للخليفة ويلبس الأكابر له.